بدا الأمر وكأننا في مسرح للقرود. ففي مناسبة كان القصد منها تسليط الضوء على أخطار التصويت الإليكتروني، حضرها لفيف من المخبرين الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في نادي الصحافة القومي بواشنطن الأربعاء الماضي، تم عرض فيلم اسمه "باكستر" وهو فيلم تسجيلي قصير عن "شمبانزي" يقوم باللعب على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، ويتمكن من الضغط على زري "الإلغاء" و"الإدخال".
وقد تم عرض هذا الفيلم للتأكيد على أنه حتى القردة أصبحت قادرة على المشاركة في التصويت الإليكتروني، وأن الأمر أسهل مما يتصور الكثيرون.
ولكن هناك الآن روايات تتناثر عن (وجود أبواب خلفية سرية) و(زنادات مخفية) في برامج إعداد الجداول الانتخابية الإليكترونية، وهو ما يتخذ منه البعض دليلا على أن الديمقراطية تتعرض لخطر جسيم. وفي الحقيقة أنه في الوقت الذي يبدو فيه الخبراء مستعدين للاعتراف بأن التصويت الإليكتروني لا يخلو من مشكلات، إلا أن القليلين منهم هم المستعدون لقبول فكرة أن ذلك النوع من التصويت، يمكن أن يؤدي إلى تقويض انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجري في شهر نوفمبر المقبل. وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء أيضاً غير مستعدين لقبول فرضية أن التصويت الإليكتروني، أو البرامج الخاصة به نتاج لمؤامرة شريرة وغامضة.
"إن الأشخاص الذين قاموا بتصميم تلك المنظومات لم يشغلوا أنفسهم كثيراً بالتفكير في الجانب الأمني من الموضوع... كان كل همهم هو أن يصمموا برنامجاً وأن يكون هذا البرنامج سهل الاستخدام... أما الثغرات الأمنية التي ينطوي عليها فلم يتوقفوا عندها طويلا" هذا ما يقوله "أفييل روبين" أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة "جون هوبكنز"، وواحد من أوائل من أشاروا إلى العيوب الرئيسية في أنظمة التصويت الإليكترونية.
ولكن التقليد الهزلي والمعالجة الساخرة لموضوع التصويت الإليكتروني كما شاهدناها في فيلم الشمبانزي "باكستر"، يمكن أن يشير إلى حقيقة بسيطة وهي: أن التصويت كان يتطلب دائماً قدراً هائلا من الثقة ولكن المشكلة هي أن تلك الثقة بعد المشكلات العديدة التي حدثت في انتخابات 2000، وفي ثقافة أصبحت تعلم تمام العلم أن التقنية المتقدمة ليست بمنأى من الخطأ كان صعباً تحقيقها.
فعلى مدى ما يزيد على قرن تطورت تقنية الانتخابات من التقنية الملموسة أي استخدام الورق وصناديق الانتخابات، نحو التقنية غير المرئية "الأعمال غير المرئية للماكينات الرافعة، والماسحات الضوئية البصرية، والشاشات التي تعمل باللمس" وكل تطوير من تلك التطويرات جرى الترويج له في حينه باعتبار أنه مضمون مئة في المئة وليس هناك احتمال لوقوعه في الخطأ أو استغلاله من قبل البشر.
ولو عدنا إلى صفحات التاريخ فسنجد أن مخترعاً بلجيكياً اسمه "البرت سنويك" قد سجل براءة اختراع ماكينة تقوم بعدِّ الأصوات قال عنها الرجل وقتها إنه من المستحيل أن تقع في خطأ. وقد قامت صحيفة "نيويورك تايمز" بكتابة تقرير عن تلك الماكينة في أحد أعدادها الصادرة في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في العشرين من أغسطس 1896، حيث وصفها فيه كاتب التقرير بأنها "ماكينة التصويت المتقنة".
وعلى رغم أن اختراع السيد "سنويك" لم يقدر له النجاح والاستمرار، إلا أن الأمر المؤكد هو أن ولاية نيويورك قامت في نهاية القرن التاسع عشر باستخدام ذلك النوع من الماكينات.
وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين كانت معظم الولايات قد حذت حذو نيويورك، وذلك كما يقول "ستيفن أنسولابيهير" أستاذ العلوم السياسية بمعهد "ماساشوسيتس" للتقنية، وعضو مشروع تقنية التصويت الإليكتروني الذي يدرس منظومات الانتخابات.
ولكن الإشاعات المتعلقة بإمكانية التلاعب بماكينات التصويت ظلت تحوم حولها خلال الجزء الأكبر من الربع الأول من القرن العشرين. وبحلول ستينيات ذلك القرن كانت الأجهزة الميكانيكية، قد بدأت تستسلم أمام غزو الأنظمة الإليكترونية التي قدمتها شركة "آي. بي. إم".
وفي عام 1969، نشر مقال في صحيفة "نيويورك تايمز" يتساءل كاتبه عما إذا كان من الممكن أن يقوم أحد الفنيين المتخصصين بالتلاعب في ماكينة معينة وبرمجتها، بحيث تقوم بتغيير عدد الأصوات الممنوحة لأحد المرشحين في الانتخابات؟
وفي الآونة الأخيرة قام ستة من خبراء الكمبيوتر في مدينة واشنطن، بعد أن أخضعوا أجهزة التصويت الإليكترونية لمجموعة من الاختبارات التي قاموا هم باستنباطها، بالتوصل إلى إجابة على هذا السؤال هي: أنه من الممكن التلاعب بتلك الماكينات بحيث تقوم بتزوير الأصوات أو الغش في الانتخابات.
ولكن شركة "آي. بي. إم" اعترضت على هذا الرأي بالقول، إنه وإن كان ذلك صحيحاً من الناحية النظرية، إلا أنه يستحيل عملياً أن يقترب فني معين من أجهزة الكمبيوتر الانتخابية للعبث بها، دون أن يسترعي ذلك انتباه الآخرين.
وعلى الرغم من كل ذلك الجدل حول الموضوع، فإن الثقافة السائدة سرعان ما استوعبت التقنية الجديدة كما استوعبت من قبل نظام الانتخاب عن طريق الماسحات الضوئية في أواخر عقد السبعينيات من القرن