لم يكن مفاجئاً أن يعلن وزير الخارجية الإسرائيلي في خطابه أمام الجمعية العامة لهيئة الأمم أن الأصولية الإسلامية تهدد أمن العالم بأسره، فهذا جزء من الهجمة الضخمة على الإسلام من بوابة الأصولية و"الإرهاب" الذي يلصق بالإسلام. ولست في معرض الدفاع عن أية أصولية من الأصوليات باختلاف تسمياتها، ولكن التركيز الدائم على الأصولية الإسلامية دون الأصوليات الأخرى يطمس الحقائق أمام المجتمع الدولي، فقد كان أوْلى أن تصارح إسرائيل العالم في الجمعية العامة لهيئة الأمم بأنها باتت هي ذاتها تعاني من خطر الأصولية اليهودية فيها، إلى درجة أن شارون الذي تقطر يداه أنهار دم فلسطيني يكاد يبدو أقل غلواً من زعماء الأصولية اليهودية الذين يلعنونه اليوم ويهددونه بالقتل لمجرد أنه أعلن عن خطة فك الارتباط.
ومن يتابع الصحافة الإسرائيلية يجد في عناوينها ما يؤكد ضخامة الخطر الأصولي اليهودي على مستقبل إسرائيل وعلى المنطقة وعلى العالم كله. فإذا كان الأصوليّون اليهود يهددون بقتل شارون الذي حقق لإسرائيل ما لم يكن يحلم به آباؤهم المؤسسون الأوائل لفكرة الدولة اليهودية، فما الذي يمكن أن يفعلوه إذن لدعاة السلام وهم على قلتهم وندرتهم في إسرائيل يبدون وحدهم الذين يقرؤون مستقبل إسرائيل والمنطقة قراءة حكيمة ويرون أبعد مما تراه العين، ويدركون أن مشكلة إسرائيل الكبرى تكمن في أن قوتها ليست في ذاتها، وإنما هي قوة من الخارج، وهي خاضعة للمتغيرات. و لعل هؤلاء يريدون أن يعيش أبناؤهم في أمن وسلام وتفاهم وتعاون إنساني داخل البيئة العربية والإسلامية الحاضنة كما عاش اليهود الشرقيون قروناً قبل نشوء إسرائيل، فهم يعتبرون الجدار العازل سجناً لإسرائيل (جيتو جديد) سيعزلها وسيحد من حضورها المتوسطي لأن أوروبا أعلنت شعبياً أن إسرائيل خطر على السلام والأمن في العالم، وسيجعلها إصرارها على سياسة القوة والردع أسيرة الدعم الأطلسي الذي لا يضمن أحد دوامه، فلا شيء أبدي. وهؤلاء الإسرائيليون العاقلون (وأنا أريد أن أتحدث عنهم قبل أن أتحدث عن الأصوليين) لا يغرهم أن تكون الدول العربية اليوم ضعيفة منهكة، فهم يشعرون بما تحت الرماد، ويعلمون أن شدة الضغط تولد الانفجار، وهم يرون أن إسرائيل على جبروتها وما تلقى من دعم أميركي غير مسبوق يرعبها وجود بضعة رجال ممن بقوا على قيد الحياة من رجال المقاومة الفلسطينية ولذلك تجدها تلاحقهم في شعاب الأرض وتظن أنها بقتلهم تقتل الحق الذي ينادي به الفلسطينيون، وتتجاهل أن القتل لا يحل قضية وإنما يورث الأحفاد مزيداً من الأحقاد.
ولا يغيب عن بال العقلاء في إسرائيل أن سعي الجنرالات من غلاة الأصولية الصهيونية العالمية إلى جعل إسرائيل الدولة الوحيدة التي تمتلك أسلحة دمار شامل في الشرق الأوسط (وهم يزودونها اليوم بأحدث القنابل الذكية) يعني أن يكون الردع النووي ضمانة تحقيق المشروع الصهيوني في طموحاته المستقبلية، وهذا ما حذر منه "فعنونو" بحس إنساني، ونتذكر هنا قول "إسرائيل شاحاك": إن الخطر هو أن يمتد تأثير الأصولية الراهن على الحكومة الإسرائيلية إلى تأثير على سياسات إسرائيل النووية". ونتذكر كذلك تساؤل "ديفيد هيرست":"ماذا لو وقعت الترسانة النووية الإسرائيلية بيد الأصولية اليهودية؟" وقد يقول قائل هذا تضخيم لدور الأصولية اليهودية في إسرائيل العلمانية، ولكن قراءة ما حدث منذ مؤتمر مدريد إلى اليوم تؤكد أن الأصولية اليهودية هي الآمرة الناهية في إسرائيل. وقد قرأت قبل أيام في صحيفة "هآرتس" 23-9-2004 مقالة صريحة لـ"يوسي ساريد" بعنوان "جريمة بلا كفارة" يقول فيها:"يريدون التخلص من لعنة غزة ولكن الأمر ليس ممكناً بسبب المستوطنات. يرغبون بإقامة جدار عازل في مسار منطقي ولكن الأمر غير متاح بسبب المستوطنات. يريدون التأكد بصورة جدية من إمكانية التوصل إلى سلام مع سوريا ولكن الأمر ليس ممكناً بسبب المستوطنات في الجولان".
والمستوطنات في إسرائيل كما يعترف الإسرائيليون هي قلاع إيديولوجية يسكنها الأصوليون بخاصة، وهم يعتقدون أن السعي من أجل السلام عبث لأن السلام مستحيل، ومهمة الأصولية اليهودية تخريب أي مشروع يتجه إلى السلام. لقد نجحوا في تخريب "أوسلو"، ونجحوا في تمزيق "خريطة الطريق"، وهم اليوم يزاودون على شارون (وهو أبو المستوطنات) ويهددونه بالقتل إذا هو مضى في خطة فك الارتباط، وتذكرنا الصحافة الإسرائيلية فيما تكتب هذه الأيام بقول الحاخام "يائير درايفوس" عن "أوسلو" (إنها كانت ردة، واليوم الذي يسري فيه مفعولها هو نهاية العهد اليهودي) ونتذكر أن الأصولية اليهودية دفعت بالطبيب الشاب المجرم "باروخ غولدشتاين" لقتل تسعة وعشرين فلسطينياً وهم يؤدون الصلاة في الحرم الإبراهيمي عام 1994 لمنع اتفاقية "أوسلو"، مثلما دفعت شاباً آخر هو "ييغال عامير" لقتل "رابين"، وكان قتله إنذاراً لكل من سيأتي بعده. وهذا ما فهمه "بيريز" فسارع إلى ارتكاب جريمة "قانا" كي يبرئ نفسه من خطيئة "رابين"، وعلى الرغم من أن "نتنياهو" لم يكن أقل أصولية