التجربة النرويجية في التعامل مع النفط تستحق الاهتمام فلم تكن للنرويج أي صناعة وطنية في مجال النفط أو الخدمات المرتبطة به حتى عام 1970 ولكنها اليوم أصبحت الدولة الرائدة قي مجال تقنية العمليات النفطية البحرية بشكل عام وتقنية الأنشطة النفطية في أعماق البحار بشكل خاص.
لم تصل النرويج إلى هذه المكانة إلا من خلال تشجيع الحكومة للشركات الأجنبية على المشاركة في مشروعات مؤسسات الأبحاث النرويجية لتطوير التقنية المتعلقة بمجال النفط فضلا عن دعوتها لتلك الشركات للمشاركة في مشروعات صناعية غير نفطية. بالإضافة إلى أن الحكومة النرويجية حتى منتصف التسعينيات كانت تطالب شركات النفط الأجنبية باستخدام السلع والخدمات النرويجية ما دامت هي الأفضل وذلك من خلال تشريع تم إصداره. كما شملت القوانين التي تم إصدارها أحكاماً بنقل الكفاءات والتعاون في مجال تطوير التقنية الحديثة. وأكد البروفيسور "أويستن نورينج" خلال ورقته التي قدمها في مؤتمر الطاقة العاشر الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يومي الأحد والاثنين الماضيين تحت عنوان "قطاع النفط والغاز في منطقة الخليج الإمكانيات والقيود"، إنه من خلال سياسة نقل المعرفة صارت النرويج دولة رائدة في مجال تقنية العمليات النفطية. وليس مستحيلا أن نصل في دول الخليج إلى ما وصلت إليه النرويج ولكننا في البداية يجب أن نعرف كيف نبني الشراكة لمصلحتنا الوطنية ونستفيد من النفط ليس كمجرد سلعة للبيع وإنما كمادة للاستثمار المستقبلي في الصناعة وتنمية الموارد البشرية.
وينبغي أن تعمل دول النفط على استغلال عائدات هذه الثروة بشكل استراتيجي على المدى الطويل. وخصوصاً أن دول الخليج تنتج حالياً نحو 30% من النفط الخام وهي تساهم بأكثر من 90% من إجمالي الطلب والعرض الخاص بسوق الطاقة في منطقة الشرق الأوسط. وحسب التوقعات فإن نمو الطلب العالمي على النفط قد يزداد بنسبة 1.6% في السنة ليرتفع إلى نحو 120 مليون برميل عام 2030.
كان يجب أن نضع السؤال الجوهري نصب أعيننا ونبني عليه خططنا المستقبلية، والسؤال هو: كيف يمكن أن تساهم شراكتنا مع شركات النفط الدولية في زيادة الإنتاج الخليجي؟! وفي تنوع مصادر الدخل؟. فمنذ اكتشاف النفط ودول الخليج تعتمد على هذه السلعة كمصدر دخل رئيسي لها ولم تفكر طوال العقود الماضية في تنويع اقتصادياتها والاعتماد على مصادر دخل جديدة، ووصل اعتماد بعض دول المنطقة على النفط بنسبة تتجاوز 95% وهذا يعني أنها صارت دولة مستهلكة لا تنتج أي شيء ولا تستثمر في أي شيء، وهذا الوضع هو الذي أدى إلى خروج مليارات الدولارات إلى الخارج كي يتم استثمارها في الدول الغربية.
الحقيقة التي يقرها الجميع والتي أكدت عليها جلسات المؤتمر أن النفط والغاز موردان قابلان للنفاد طبقا لقاعدة النضوب. لقد أثرت التقنية وقوى السوق في معدلات الاكتشاف والإنتاج، غير أن النضوب هو العامل المهم حالياً ويرى المتخصصون في مجال النفط أن مسألة نفاد البترول هي مسألة وقت، فمنذ 150 سنة وحتى اليوم تم العثور على 43000 حقل بترولي على الأرض. وتم استخراج واستهلاك 950 مليار برميل، وتشير التوقعات إلى أن احتياطي النفط في الأرض هو 1200 مليار برميل معظمها في الشرق الأوسط (685.6 مليار برميل).
أما نصيب الإمارات من ذلك فقد أوضحت دراسة حديثة لوزارة النفط والثروة المعدنية بالدولة حول "الطاقة في دولة الإمارات" أن النفط والغاز الطبيعي يعتبران المصدرين الأساسيين لإنتاج الطاقة حيث إن الدولة تمتلك احتياطيات مؤكدة من البترول تقدر حاليا بـ97 مليارا و800 مليون برميل أي بنسبة 9.1 في المئة من الاحتياطي العالمي موزعة على 92 ملياراً و200 مليون برميل لإمارة أبوظبي وتليها دبي 4 مليارات برميل، ثم الشارقة مليار و500 مليون برميل، ورأس الخيمة 100 مليون برميل من النفط.
معالي عبدالله العطية وزير الطاقة والصناعة في قطر أشار في كلمته المهمة في افتتاح مؤتمر الطاقة إلى أن النفط سيبقى ولفترة طويلة أكبر مصادر الطاقة الرئيسية في العالم، وأن منطقة الخليج تحتوي على أضخم احتياطيات النفط والغاز في العالم... ولكن النقطة الأهم التي أكد عليها هي أن مواكبة ارتفاع الطلب على النفط تدعو إلى استخدام أنجع الأساليب لتحقيق الاستغلال الأمثل لتلك الاحتياطيات وكذلك الاستثمارات الموظفة في هذا القطاع... وأشار إلى نقطة الانطلاق المهمة في هذا الأمر وهي تركيز الاهتمام على تنمية الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذ استراتيجية التنمية التي لن تنجح إلا بتنمية الموارد البشرية.
في الوقت الذي كان فيه النفط هو مصدر الخير على دول المنطقة فإنه كان السبب الذي منع هذه الدول من تنمية نفسها ومواردها البشرية بما يتناسب مع دخلها والثروة التي تمتلكها فصار الاعتماد على العمالة الخارجية سمة مجتمعات النفط والحل السحري لكل مشكلاتها في الموارد البشرية، وصار جلب التكنولوجيا واستيراد البضائع بديلا عن العمل والإنتاج والاعتماد على ال