إن قتامة المشهد العربي وضبابية الرؤية فيه، وعمق التشابك بين المعطيات التي يمكن أن يستعصي فرزها نظراً لكونها متداخلةً ومعقدةً تصعب من محاولات فهمها وتحليلها وتمحيصها في حالة التشابك والتداخل الحالية، ولكن ذلك لا يمنع من محاولات الفرز والنقاش. مقتل الشيخ سعيد رمضان البوطي يمثل نموذجاً معبراً في هذا السياق، فهو عالم سني وفقيه له وزنه واعتباره، وقد تمّ اغتياله في مسجدٍ بعملية قيل إنها انتحارية قتل فيها معه ما يزيد على العشرين شخصاً. اختلفت ردود الأفعال تجاه الحادثة بين من يراها عملاً جهادياً ضد واحدٍ من المدافعين عن نظام بشار ومن يراها عملية إرهابية استهدفت فقيهاً مع طلابه في دار عبادةٍ هي المسجد، وبين هذين الموقفين أطياف عديدة يختار كل منها زاوية نظره للحادثة ومعاييره في التوصيف والحكم. إن الفرز مفيد هنا في التخفيف من ضبابية المشهد، فكون البوطي فقيهاً ذا مؤلفات غزيرة وتقدير علمي أمر لا يشكك فيه أحد ممن يعرف إنتاج الرجل الغزير ومعاركه الفقهية طويلة الذيل، وكونه وقف مع النظام، ودافع عنه أمر ظاهر كذلك، ويمكن التفريق في موقفه هذا بين مرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة حافظ الأسد الأب وابنه بشار قبل بدء الاحتجاجات منتصف مارس 2011 والثانية: مرحلة بشار بعد هذا التاريخ وحتى اليوم، ففي الأولى كان كغيره من الفقهاء التقليديين الذين ينشغلون بالفقه والعلم بعيداً عن السياسة ويعنيهم الاستقرار، أما في الثانية فقد انحاز للنظام ضدّ شعب بأكمله، ولئن كان معذوراً في بداية الأحداث بالاستمرار على نهجه القديم ومعهوده الذي ألف فهو ليس كذلك بعدما تجاوز النظام كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، ولكنّ موقفه في المرحلة الثانية تعتريه بقوة شبهة الإكراه -كما يقول الفقهاء- فمن يعرف بشار ورمزية البوطي كعالم سني كبير لنظامه يعرف أنه لن يفرط فيه أبداً والأسد يعلم أن انشقاق البوطي عن نظامه سيكون ضربةً قاصمةً له، ومن هنا فليس من المستبعد أنّ يكون بقاؤه وتصريحاته كانت تحت التهديد المعلن أو المبطن. لقد كان البوطي فقيهاً معتبراً وكان يحضر المناسبات الرسمية برمزية رجل دين ثم يعود لما ألفه من علم وفقه، وموقفه السياسي من الأحداث في سوريا مرفوض ابتداءً وبلا مثنوية لأن هذا ليس شأن الفقيه من الأساس فضلاً عن أن البوطي أخطأ في الوقوف مع نظام دموي لا يعرف العالم المعاصر له مثيلاً في شدة بطشه وتنكيله بشعبه، وليس مستغرباً على الإطلاق أن تكون نوايا الانشقاق قد داعبت خياله ولم يجد لها سبيلاً، ولا أن النظام قد قام بتصفيته لأهداف أو معلومات، أو مواقف لم تتضح بعد. ما يجب أن يثير الاستغراب والحذر في دول الخليج هو ردود الفعل من تيارات الإسلام السياسي تجاه اغتيال البوطي، فقد كشف كثير من رموز الإسلام السياسي، ومن يسمّون بالحقوقيين أو الناشطين عن حجم الدموية التي كانوا يخفونها من قبل وكاد خطابهم تجاه الحادثة أن يتماهى مع خطاب تنظيم «القاعدة» من حيث التأصيل والتوصيف والحكم على القضية بما يشمله بالطبع من خلط ساذج أو متعمد بين السياقات المختلفة في سياق الأزمة السورية ما يصدق معه القول، ائتني بحركي سياسي صغير أخرج لك «قاعدياً» كبيراً. وفي سياق متصل تمثل استقالة ميقاتي مثالاً آخر في هذا المجال، فلماذا صمدت حكومة ميقاتي المعروفة بحكومة «حزب الله» كل الفترة الماضية وجاءت الاستقالة في هذا التوقيت بالذات؟ وهل لذلك علاقة مباشرة بتصاعد الأحداث في سوريا؟ وهل لإيران دور في تمرير هذه الاستقالة عبر إرادة واعية لتوسيع نطاق الأزمة في سوريا لتشمل دول الجوار؟ بمعنى من هو المستفيد الآن وفي مثل هذه الظروف من غياب حكومة لبنانية؟ ليس سراً أن كثيراً من المراقبين والمتابعين للأزمة السورية لا يخفون استغرابهم من تأخر تأثير الأزمة السورية على لبنان، فحجم التشابك والتداخل بين المشهدين ضخمٌ جداً ومعروف أن التطورات التي مرّت بها لبنان كان لسوريا فيها وتد ثابت منذ الحرب الأهلية مروراً باتفاق الطائف وصولاً لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وما تشهده لبنان منذ سنوات من سيطرة «حزب الله» على الدولة والحكومة. وعلى حطام المشهد في سوريا ولبنان، لم يزل بعض مثقفي العرب وأتباعهم في دول الخليج من أيتام محور المقاومة يلجأون بعد افتضاح أمره إلى ترك خطاب التبرير والتسويق، الذي كانوا يخدمونه به إلى خطاب يعتمد التفسير ومحاولات تجديد القراءة للمشهد كشعار، وإنْ كان يمكن التماس حجم التبرير المختبئ في طروحاتهم. كتب كاتب هذه السطور من قبل وغيره عن النهج المعادي الذي تتبناه جهتان معروفتان تجاه دول الخليج وهما تحديداً إيران و«الإخوان». ودول الخليج وباستحضار التاريخ تعاني من خصام إيران السافر لها سواء في ملف الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران أم في موضوع دولة البحرين، وها هي تزيد من جرعة تدخلاتها على سيادة هذه الدول واستقرارها وأمنها من خلال خلايا التجسس التي لم تفتأ تصطنعها وتبثها في أكثر من دولة خليجية وعربية، من البحرين إلى الكويت وأخيراً السعودية واليمن، وهي عمليات مدانة ومجرمة بكل المقاييس الأخلاقية والمعاهدات الدولية، وهي خرق واضح لحسن الجوار، و«الإخوان المسلمون» لم يفتؤوا في معاداة دول الخليج بزرع التنظيمات وإثارة الفتن والتاريخ شاهد، وما تنظيمهم السري في الإمارات الذي تعاملت معه الدولة وفق دستورها وقوانينها، وها هي تعرض أفراده على القضاء، الذي ستكون له الكلمة الأخيرة إلا مثال بالغ الأهمية في هذا السياق. من المؤسف أنّ بعض المنتمين للإسلام السياسي والمتعاطفين مع «الإخوان المسلمين» أو إيران في دول الخليج نجدهم -دائماً- في أول الصفوف في أي مسألة داخلية يحسبون أنهم ينالون مجداً شخصياً في إثارتها، وإنْ زادوا المشكلة ونشروا الشقاق بينما يلتزمون صمت القبور في القضايا الحقيقية، التي يجب أن يتخذوا فيها مواقف واضحةً وصريحةً في الدفاع عن أوطانهم حين تتعرض للهجمات المغرضة والخطرة. في قضايا اختراق أمن الدول لا يجوز لطائفة أو دين أو تيار أن يحمي المجرمين أو يمنحهم الغطاء، فالمجرمون أفراد يجب أن تطبق عليهم القوانين وليس من مصلحة أحد الدفاع عنهم أو تبرير جرائمهم.