في تقليد غاب طويلاً عن العمل السياسي في كوريا الشمالية، ألقى زعيمها «كيم جونج أون»، خطاباً سياسياً ركز فيه على إصلاح الاقتصاد المتردي، وتخفيف التوتر مع كوريا الجنوبية. ومنذ توليه السلطة هذه أول مرة يتحدث فيها «أون» عن أمور بهذه الأهمية تتعلق بسياسات بلاده الداخلية والخارجية. ويعتقد عدد من خبراء الشأن الكوري بأن هذه التصريحات ربما تشكل تمهيداً حقيقياً لإدخال إصلاحات محدودة على الاقتصاد، ووجود نية لإنهاء المواجهة مع كوريا الجنوبية رغم تحفظهم بأن هذه التصريحات لا تعني بالضرورة حدوث تغييرات جوهرية. قضية الإصلاح في كوريا الشمالية مثيرة للجدل، وربما خطيرة على النظام الحاكم، وبالنسبة للإصلاح الاقتصادي، ما هو الأنموذج الذي سيتبع، هل هو الصيني أم هو شيء آخر؟ فلو تقرر اتباع الصين، فإن كوريا الشمالية مختلفة عنها في كل شيء. كوريا الشمالية جزء من أمة منفصلة عن بعضها بعضاً، ووجود كوريا الجنوبية مع النجاحات الاقتصادية التي تحققها يجعل حالة النظام الحاكم في «الشمال» غير مستقرة، وتسلط الضوء على تعثره الاقتصادي، وهذا ما يجعله يضع رقابة صارمة على تدفق المعلومات من الخارج، ويدل أنه نظام يعلم بأنه إذا ما عرف المواطن الشمالي بالعمق الحقيقي بفقره مقارنة بغنى المواطن في الجنوب، فإنه قد ينهار كنظام في غضون أسابيع، إن لم يكن أياماً. أما بالنسبة لتوجهات السياسة الخارجية للانفتاح على الجنوب، فهي قضية شائكة ومعقدة وتدخل فيها أطراف هي النخبة الحاكمة الشمالية، وكوريا الجنوبية، وخلفها الولايات المتحدة، والصين. لكن المهم من بين هذه الأطراف هي النخبة الحاكمة في الشمال التي يقوم عليها النظام، فهذا الطرف يشمل عدداً كبيراً من رجال الدولة وضباط الجيش والأمن والشرطة بالإضافة إلى أسرة «كيم» الممتدة. لدى هذا الطرف سبب وجيه للوقوف في وجه أي انفتاح على الجنوب إذا شعر أفراده بأنها تعدت خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها تضر بمصالحهم خاصة إذا كانت تتعلق بالوحدة بين الكوريتين، لأن الوحدة تعني سيطرة «الجنوب» على «الشمال» بسبب تفوقه الاقتصادي، ولديهم القدرة على القيام بذلك، لأن بأيديهم تتركز مقدرات الدولة، بما في ذلك الجيش وحيازة الأسلحة وخوض حرب العصابات وأجهزة المخابرات وتدفق المعلومات، وعند لحظة الخطر لن يتوانوا في استخدامها لأن المسألة بالنسبة لهم «نكون أو لا نكون». وقد يبدو لبعض المراقبين بأن خطاب «كيم» الأخير مشجع، لكن مصداقية تحقيق ما ورد فيه أمر صعب، وربما أن ما يراد به هو نزع فتيل التوتر القائم في المنطقة بعد قيام كوريا الشمالية، بإجراء عدد من التجارب النووية، التي أثارت حفيظة المجتمع الدولي وإطلاقها لصواريخ عابرة للقارات. لكن كوريا الشمالية ستبقى رئيسية في العلاقات الدولية لسنوات، وهي مشكلة لا يلوح لها حل في الأفق القريب، فالعالم أجمع ليس لديه مداخل، ربما باستثناء الصين، للتأثير على كوريا الشمالية. وخلال العشرين سنة الماضية أو نيف، اتضح بأن كوريا الشمالية ليست حساسة تجاه أي دعم خارجي يقدم لها، أو عقوبات تفرض ضدها، وهي ماضية في طريقها وفقاً لما يراها زعيمها والنخبة التي تحيط به.