تضرب العلاقات المصرية الهندية بجذورها في أعماق التاريخ، وإنْ كانت ترجع إلى ماض ليس بالبعيد، ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وصلت العلاقات بين البلدين إلى ذروتها من خلال الاحترام المتبادل والصلات القوية بين جواهرلال نهرو وجمال عبد الناصر، وهي علاقات تنهل من الأفكار المشتركة وقتها بين البلدين ورغبتهما في التحرر من التدخلات الغربية والنأي ببلديهما عن الصراعات الأيديولوجية التي تقسم العالم من خلال سلوك طريق ثالث بين المعسكرين الغربي والشرقي. وعندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الغاشم في عام 1956 لم يكتف نهرو بالوقوف إلى جانب مصر ودعمها في محنتها، بل هدد بريطانيا بالانسحاب من منظمة الكومنولث. وقد استمرت العلاقات المتينة بين الدولتين من خلال منظمة دول عدم الانحياز في عام 1961 وكان جمال عبد الناصر نموذج القائد الذي احتذت به الهند في التحرر من الإمبريالية والتحكم في المقدرات الوطنية التي كانت في أيدي الغربيين، ولم تقتصر العلاقات على الجانب السياسي والرؤى المشتركة، بل تجاوزتها إلى التعاون العسكري، حيث اتفق البلدان في الخمسينيات والستينيات على تطوير مشترك لصناعة الطيران من خلال إيفاد عدد من المهنيين الهنود في مجال الطيران إلى مصر للانضمام إلى مشروع «حلوان» لتصنيع طائرات من طراز «HA-300»، وفي الوقت نفسه استثمرت الهند في صناعة الطيران المصرية وكلفت مهندسين وعلماء هنوداً بإنتاج محركات الطيران لاستخدامها في الطائرات النفاثة من طراز «براندنر E-300» على أمل تركيب المحركات المصرية في الطائرات الهندية من طراز «ماروت»، لكن مع الأسف لم يكتب لهذه المشاريع الرائدة في مجال الطيران الاستمرار بعد حرب عام 1967 بسبب الصعوبات الاقتصادية التي عرفتها مصر في تلك المرحلة وأولوية بناء قوات مسلحة جديدة تكون قادرة على استعادة ما خسرته مصر في حربها مع إسرائيل. وكان للسياسة الموالية للغرب التي انتهجها السادات وتوقيعه على معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، ثم الاستمرار على المنوال من قبل خلفه مبارك، أثر واضح في افتراق السبل بين البلدين، لكن العلاقات لم تنقطع أبداً لتظل الأواصر الثقافية والاجتماعية موصولة، لا سيما بعد الزيارة التي قام بها الشاعر الهندي الحاصل على جائزة نوبل للآداب، طاغور، إلى بيت الشاعر أحمد شوقي في القاهرة، بالإضافة إلى زيارة نهرو إلى العاصمة المصرية، ثم الذكريات المحفورة في ذاكرة البلدين حول مؤتمر «باندونج»، والحضور الكثيف للطلبة الهنود في جامعة الأزهر، دون أن ننسى التأثيرات الثقافية الأخرى من خلال الأسماء السينمائية الوازنة التي غذت خيال الشعبين مثل عمر الشريف على الجانب المصري، و«أميتاب باتشان» في السينما الهندية، وهي عوامل ساهمت في تمتين العلاقات بين الشعبين والإبقاء على شعلتها متوقدة حتى بعد مرور سنوات على عصرها الذهبي عندما وجد كل من عبد الناصر ونهرو نفسيهما في خندق واحد دفاعاً عن حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار ورغبة في الابتعاد عن الصراعات الأيديولوجية التي طحنت الشعوب المستضعفة والخارجة من ربقة الاستعمار. واليوم في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة العربية وعلى رأسها مصر التي أطاحت بمبارك، وانتخبت لأول مرة في تاريخها بطريقة نزيهة وديمقراطية الرئيس مرسي، بدأت تنتعش الآمال مجدداً في العودة إلى العلاقات القوية بين مصر والهند، وخلال أقل من سنة تأتي زيارة مرسي إلى عدد من البلدان الآسيوية وفي مقدمتها أكبر ديمقراطية في العالم، الهند، لتؤكد اهتمام مصر المتزايد بالشرق. فقد حل الرئيس المصري في نيودلهي مصحوباً بوفد كبير تأكيداً لرغبته في إعادة الوهج للعلاقات القديمة، كما أن الاستقبال الودي الذي لقيه من المسؤولين الهنود رسخ الأمل في إمكانية تجديد الصلات بين البلدين وإعادة بنائها على أسس متينة. ولا أدل على هذه الرغبة من العدد الكبير من الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها خلال الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام وهمت عدداً من القطاعات مثل تكنولوجيا النانو والتكنولوجية الحيوية، والفضاء، والأمن الإلكتروني، وإنشاء مركز لتكنولوجيا المعلومات بجامعة الأزهر. كما أن الاتفاقية التي وقعت بين البلدين بشأن التبادل العسكري والتأسيس التدريجي لتعاون عسكري في مجالات الملاحة والإلكترونيات تبرهن على رغبة البلدين في إقامة شراكة استراتيجية. وخلال الزيارة الأخرى التي قام بها مرسي لدوربان في جنوب أفريقيا للمشاركة في قمة دول «بريكس»، حصل مرسي على دعم قوي من الجانب الهندي الذي أكد تأييده لمصر ووقوفه إلى جانبها في مرحلتها الانتقالية الصعبة. وكان الهدف من زيارة جنوب أفريقيا تعزيز الاقتصاد المصري بالاقتراب من دول «بريكس»، وجعل مصر عضواً فاعلاً في المجموعة، ومن ناحيتها ترى الهند في مصر جسراً مهماً بين آسيا وأفريقيا، وطريقاً تجارياً حيوياً ما يجعلها منطقة جاذبة للاستثمارات الهندية. وفي المجال التجاري ارتفع حجم التبادل بين البلدين بأكثر من 30 في المئة لينتقل من 3.2 مليار دولار إلى حوالي 5 مليارات دولار مع التطلع لرفع الرقم إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، ولم يفوت مرسي مناسبة الزيارة لإطلاع المسؤولين الهنود على الفرص الاستثمارية الواعدة في مصر، لا سيما المناطق الصناعية الثلاث المخصصة لهذا الغرض التي يمكن استخدامها من قبل الشركات الهندية لتجميع وإعادة التصنيع ثم تسويق منتجاتها ليس فقط داخل مصر، بل أيضاً في عموم منطقة الخليج العربي. وكان مرسي واضحاً أيضاً في رغبته بأن تضطلع الهند بدور فاعل في قضايا الشرق الأوسط، بل لمشاركة مصر في تهدئة المنطقة والبحث عن حلول لمشاكلها، وبعد المباحثات رفيعة المستوى بين الجانبين أعلن رئيس الوزراء الهندي، مانموهان سينج، عن قناعته بأن نجاح مصر في عمليتها الانتقالية سيشكل نموذجاً للمنطقة والعالم بأسره، كما نوه أيضاً «بشجاعة الشعب المصري والتضحيات التي بذلها لتدشين مرحلة جديدة من الديمقراطية»، عارضاً تجربة الهند على نظرائه المصريين في بناء «مؤسسات قوية»؛ وأخيراً لا شك أن مصالح مصر والهند تعود للالتقاء مجدداً في إطار رغبة القاهرة في تنويع علاقاتها الاستراتيجية وبحث نيودلهي عن شريك قريب من غرب آسيا، لذا جاءت زيارة مرسي للهند في وقتها المناسب ليس فقط لإعادة إحياء علاقاتهما القديمة، بل أيضا لإعطائها زخماً جديداً.