يلاحظ في البداية أن هناك اتفاقاً شبه عام بين علماء السياسة على أنه لا يمكن الاعتراف بأن نظاماً سياسياً ما هو نظام ديمقراطي، إذا لم يتوافر فيه شكل أو آخر من أشكال الحكم المحلي. بل إن الديمقراطيات تقارن على أساس مدى نضج نظام الحكم المحلي فيها، وإن كان الحكم المحلي سمة للنظم الديمقراطية، فإن القيم المتجذرة في عقول ونفوس الأفراد داخل الوحدة المحلية هي التي تحكم على ما إذا كانت هذه المسألة لها معنى حقيقي أو مزيف، فلا يمكن أن نكتفي قولاً بأن "المحليات هي مدارس الديمقراطية" أو مرحلة التعليم الأساسي لها، والتي تؤهل الفرد لممارسة السياسة على المستوى القومي، بل ينبغي أن تكون القيم السياسية السائدة داخل الوحدة المحلية قيماً إيجابية في اتجاه الديمقراطية، فالعمل المحلي يحتاج إلى قدر كبير من المشاركة، سواء في اختيار أعضاء المجالس المحلية أو في المساهمة في المشروعات التي يتم إنشاؤها داخل الوحدة المحلية، أو الرقابة على الأعضاء ومحاسبتهم على أدائهم ومطالبتهم بتقديم "كشف حساب" إلى هيئة يكونها الناخبون تناقشهم في الأعمال المزمع القيام بها وتراجعهم في أوجه القصور، وتساعدهم على تلافيها، وقيمة المشاركة تتطلب وجود قدر مرتفع من "قيمة الحرية"، إذ لا يمكن تصور وجود مشاركة حقيقية في مناخ ملبد بالاستبداد، ففي ظل هذا المناخ إن وجد نوع من المشاركة فهو نوع "مريض" قائم على أحادية الرأي، مفتقد للتنوع الذي يثري العمل المحلي ويضمن تجدده وتقدمه. والحرية والمشاركة يضمنان قدراً من العدالة في توزيع الموارد والأعباء المحلية، ويحفظان للمواطنين حقهم في المساواة أمام المجالس والنظم المحلية. وإذا كانت هذه القيم تضمن وجود الديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي داخل الوحدات المحلية، فإن المحليات تلعب دوراً مهماً أيضاً في توفير الوعي السياسي الذي يبلور هذه القيم وتكون مرحلة مهمة لتجريبها واختبارها في الواقع، تمهيداً وتأكيداً لممارسة سلوك سياسي إيجابي على المستوى القومي. وقد تكون المحليات امتداداً لبطش السلطة القومية وتعمل على طمس القيم السياسية الإيجابية بالترهيب والاستئثار بالقرار، وهنا يصبح على المؤسسات الأهلية والمثقفين العضويين وقوى المعارضة أن تناضل لخلق وإذكاء روح القيم السياسية الإيجابية لمقاومة التسلط الجهوي والقومي على حد سواء. وإذا نظرنا إلى التنمية المحلية كعملية انتقال من التعاون المحدود إلى التعاون الشامل، ومن الحاجة إلى الاكتفاء، وأنها عملية متكاملة تمس كافة جوانب وأبعاد الحياة الاجتماعية أو عملية تربوية منظمة تشمل المجتمع بأكمله وبنشاطاته المختلفة وتهدف إلى نموه وتطويره، فإن الثقافة السياسية بجوانبها المعرفية والقيمية والتوجيهية تلعب دوراً بارزاً في إحداث وتفعيل هذا الانتقال. فأي تقدم اقتصادي حقيقي لابد أن يقوم على ثقافة إيجابية تؤمن بقيمة العمل وحرية التداول والاستثمار مع مراعاة العدل الاجتماعي ومصلحة الاقتصاد الوطني، أي يتطلب "تنمية سياسية" تضع أطره ومحدداته وتخطط لأهدافه وغاياته. وعلى هذا الأساس تصبح هناك ضرورة لدراسة قيم المواطنين داخل الوحدات عند تخطيط التنمية، انطلاقاً من أن هذه القيم تشكل نظرة المواطنين لما يجب أن تكون عليه صورة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وهذا الأمر يهدف إلى دعم القيم المتسقة مع التنمية المحلية والقضاء على تلك غير المتسقة معها. وفي الوقت نفسه، فإن المحليات لها دورها في مساندة القيم السياسية، "فالإدارة المحلية تقضي على السلبية التي تميز جماهير الدول النامية تجاه سياسات الدولة وخططها للتنمية، فالفلسفة التوكلية التي دأبت عليها جماهير هذه الدول تواجه بالإدارة المحلية واقعاً مختلفاً، حيث توجد مشروعات وبرامج وخطط إقليمية توضح للمجتمع الريفي أن الحياة الأحسن هي ناتج عمل أكثر وليست ناتجاً للتواكل". أما بالنسبة لقضية الوحدة الوطنية، فنجد أن هناك ارتباطاً واضحاً بين وجود وحدات حكم محلي قوية وبين تحقيق الوحدة الوطنية، وهذا أمر مسلَّم به منذ القدم، فالسلطات المحلية ما هي إلا منظمات ومؤسسات تستهدف مواجهة المصالح الضيقة والمحدودة لجماعات إقليمية، أو عنصرية، أو لتوجيه التنمية وذلك على أساس أن وحدات الحكم المحلي تعتبر بمثابة مؤسسات تعبئة سياسية للجماهير حول القضايا والمسائل القومية، فعلى رغم المؤثرات القوية للنظام السياسي على المستوى القومي بما يملكه من أدوات إعلامية وتثقيفية وموارد مالية إلا أن المواطن لا يفلت من قبضة المحليات، بل إنه يتأثر في اختياره وتقبله للأفكار الجديدة بالروح العامة للمجتمع المحلي أكثر من تأثيره بالإدارة المركزية. وإذا كان النظام المحلي له هذا الدور العام في تحقيق الوحدة الوطنية والاندماج القومي، فإن القيم السياسية هي بيت القصيد في هذه العملية، فالمشاركة السياسية مثلاً تقوي الوحدة الوطنية خصوصاً في الدول النامية، إذ إن الولاء القومي في الدول المختلفة لا يكون من القوة إلى الحد الذي يوجد عليه في الدول المتقدمة، والمشاركة عن طريق اللامركزية تسمح لهذه الولاءات بأن تعبر عن نفسها دون كبت، ما يؤدي إلى إذابتها فلا تصبح معضلة في سبيل تحقيق الوحدة الوطنية. ووجود إحساس معقول بالمساواة والعدل من قبل المواطنين يخلق نوعاً من الرضا تجاه النظام السياسي، وهذا له دور كبير في الحفاظ على تماسك المجتمع وتحفيز الوحدات المحلية لكي تكون لبنة فعالة في صرح الوطن. والعلاقة بين القيم السياسية وقضايا العمل المحلي ومؤسسات النظام المحلي علاقة متداخلة إلى حد كبير، فالقيم السياسية لها علاقة بوجود الديمقراطية وتدعيم الوحدة الوطنية ومساعدة برامج التنمية. كما أن وجود الديمقراطية والوحدة الوطنية والتنمية يسهم في الحفاظ على قيم سياسة إيجابية، وكلا الجانبين يؤثران ويتأثران بالمؤسسات المحلية، بل إن القضايا الثلاث، الديمقراطية، والاندماج، والتنمية، لها علاقة وطيدة مع بعضها بعضاً لا تخفى على كثيرين.