رغم أن الصين باتت القوة الاقتصادية الثانية في العالم، والكتلة الوحيدة القادرة على تحدي أميركا ومزاحمتها، ورغم العديد من المعطيات التي تجعل من الصين قوة تفزع الغرب، وتدفع كتابه للتحذير من صعودها المدوي على الساحة الدولية، يرى الكاتب والخبير في الشؤون الصينية بجامعة جورج تاون الأميركية، ديفيد شامبو، عكس ذلك تماماً، ليس تقليلاً من شأن الصين وإنجازاتها خلال العقدين الأخيرين، بل لأنه ومن خلال دراسته المستفيضة لمكامن قوتها يرى في كتابه «الصين تصبح عالمية... القوة الجزئية»، أن ما يخيف الغرب ويرعبه أحياناً لا أساس له من الصحة، وأن الصين، رغم ما راكمته من أسباب القوة والمنعة، ما زالت بعيدة عن تهديد النفوذ الأميركي، حيث يقول: «إن عناصر قوة الصين العالمية تبقى ضعيفة وغير متساوية، فالصين ليست بالأهمية التي تناط بها، ولا هي بذات النفوذ المتخيل في الغرب»، ثم يضيف: «ما زالت أمام الصين طريق طويلة قبل أن تتحول إلى قوة عالمية، هذا إذا تحولت فعلاً إلى تلك القوة، وهي في جميع الأحوال لن تحكم العالم». ولتوضيح فكرته لا يعتمد الكاتب فقط على قراءاته المتعددة بشأن الصين، بل يرجع إلى تجربته الذاتية كدارس للتجربة الصينية ومتحدث بلغتها أمضى سنوات في تحليل عناصر قوتها وفحص ثقافتها؛ فرغم ما تزخر به الصين من إمكانات مهمة وحيازتها للموارد الكثيرة، يستشهد الكاتب بمقولة البروفيسور «جوزيف ناي» في تعريفه للقوة والتي تقول إن «جوهر القوة يكمن في تحويل الموارد إلى نفوذ»، هذه العملية هي بالذات ما ينقص الصين ويعوزها. ولتوضيح قصور الصين في الانتقال من الإنتاج إلى القوة ومن الموارد إلى النفوذ، يبحث الكاتب بعض القطاعات المهمة؛ فعندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية يجادل الكاتب بأن الصين ما زالت تعتمد على ردود الفعل في سياستها الخارجية وتكاد لا تبادر بحل مشكلة، كما أنها لا تمتلك حلفاء حقيقيين حتى في محيطها الإقليمي المتوجس من صعودها، وهو أمر ينعكس أيضاً على القضايا الأمنية التي تظل فيها الصين معزولة غير قادرة على نسج تحالفات على غرار الولايات المتحدة. أما فيما يتعلق بالجانب الثقافي وقدرة الصين على ممارسة القوة الناعمة، فيرى الكاتب أنها ما زلت بعيدة عن ذلك بالنظر إلى منتوجها الثقافي المحدود ومشاكلها في مجال التعليم، ما يعطي للغرب، وبالتحديد أميركا، الريادة في المجال الثقافي. ورغم أن الصين حاضرة بقوة في جميع المنظمات الدولية، وتسعى إلى تشكيل أقطاب إقليمية تجمعها المصالح الاقتصادية، فإنها لم تطالب قط بدور القيادة ولا سعت لممارستها، مفضلةً التركيز على القضايا الداخلية التي تلعب دوراً في تحديد سياستها الخارجية، دون أن تكون لها رؤية شاملة ونظرة استراتيجية لإدارة العالم. وفي تطرقه للجانب الاقتصادي الذي يشكل حجر الزاوية في الصعود الصيني، لا تغيب عن الكاتب الإحصاءات والأرقام التي تعترف بالإنجازات الصينية، فهذه الأخيرة احتلت نسبة 40 في المئة من نسبة النمو الاقتصادي العالمي على مدى العقدين الأخيرين، وهي اليوم أكبر مستهلك للطاقة عالمياً، كما أنها أكبر مصدّر للبضائع، وتمتلك أكبر الاحتياطات العالمية من العملة الصعبة... لكن رغم كل ذلك يؤكد الكاتب أن الصين ليست سوى قوة «جزئية» لم تصل بعد إلى مرحلة القوة الشاملة. لكن الأدلة التي يسوقها الكاتب قد لا ترقى إلى براهين ساطعة، بل تعوزها الصدقية، فعندما يُرجع الكاتب سبب ضعف الصين إلى قطاعها المالي غير المتطور، فذلك لا يعيبها بالنظر إلى دور هذا القطاع في الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها الغرب حالياً، وعندما يقول إن الصين «لا تندرج حتى ضمن قائمة الدول العشر المانحة في العالم»، فذلك أيضاً ليس بالمشكلة الكبيرة، كما أن الصين التي يعترف الكاتب بأنها تحتل المرتبة الخامسة كأكبر مستثمر في الخارج، بدأت مؤخراً في تحسين ترتيبها بتكثيف استثماراتها الخارجية والمجازفة خارج حدودها، والأكثر من ذلك أن الكاتب الذي ينفي تحول الصين إلى قوة عالمية لضعف إمكاناتها السياسية والدبلوماسية والثقافية، يغفل عن روابط القوة بالاقتصاد! زهير الكساب الكتاب: الصين تصبح عالمية... القوة الجزئية المؤلف: ديفيد شامبو الناشر: أوكسفورد تاريخ النشر: 2013