عرفت جزيرة قبرص، بأنها قبلة سياحية دولية تتميز بجمال طبيعتها وشواطئها، إلا أنها بقيت في الظل، كإحدى الجنات الضريبية قبل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، حيث تتدفق عليها الأموال من كل حدب وصوب، وبالأخص من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وبلدان أوروبا الشرقية. واليوم تواجه الجزيرة تحديات خطيرة معرضة اقتصادها الصغير للإفلاس، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية وتقاسم النفوذ السياسي بين العديد من البلدان لتلتقي وتتقاطع فوق هذه الجزيرة التي نأت بنفسها ولسنوات طويلة عن هذه التجاذبات وفتحت أبوابها للجميع انطلاقاً من مصالحها الوطنية. ويبدو أن هذه الحيادية النسبية لا تناسب الكبار الذين يشاركونها عضوية الاتحاد الأوروبي، فالألمان غير قادرين على المنافسة للحصول على عقود الغاز المكتشف حديثاً بالقرب من شواطئ قبرص لصالح روسيا التي تمد ألمانيا والعديد من بلدان الاتحاد الأوروبي باحتياجاتها من الغاز عبر خطوط تمتد آلاف الكيلومترات. أما الروس، فقد اتخذوا من قبرص ومؤسساتها المصرفية وأسواقها المالية قاعدة مهمة ومضمونة من وجهة نظرهم فبلغت قيمة ودائعهم 32 مليار يورو، هذا عدا استثماراتهم الهائلة في السوق العقارية والسياحة والخدمات، مما ساهم في إنعاش اقتصاد الجزيرة. وهذا التناقض بين عضوية قبرص في الاتحاد الأوروبي وعلاقاتها المميزة مع روسيا الاتحادية تمخض عن العديد من التجاذبات وتضارب المصالح، مما أدى إلى تردد المفوضية الأوروبية في مد يد العون للاقتصاد القبرصي من خلال خطط الإنقاذ الأوروبية، كما فعلت مع اليونان وإيرلندا والبرتغال وإيطاليا، علماً بأن المبالغ المطلوبة للإنقاذ في قبرص بالكاد تصل إلى 10 في المئة فقط من مثيلاتها في إيطاليا واليونان. وبدلاً عن ذلك لجأ الاتحاد الأوروبي بقيادة ألمانيا وبدعم من صندوق النقد الدولي إلى بدائل مثيرة للجدل وغير متعارف عليها في التعاملات المصرفية والمالية الدولية وهي فرض ضرائب على الودائع التي تتجاوز 100 ألف يورو في بنك قبرص بنسبة كبيرة بلغت 40 في المئة كحد أعلى والاستحواذ على الودائع التي تفوق 100 ألف يورو بنسبة 100 في المئة في «سايبرس بوبيولر بنك»، وهو إجراء فريد من نوعه وإجراء خطير في العلاقات المصرفية والمالية الدولية. وبالإضافة إلى المودعين القبارصة الذين تمت حماية الصغار منهم، فإن القائمة تشمل مودعين أجانب من مختلف البلدان، بما فيهم بعض بلدان الشرق الأوسط، إلا أن أكبر الأضرار سوف تلحق بالمودعين الروس الذين قد يخسر بعضهم كامل قيمة ودائعه. وبالتأكيد سيساهم اتفاق قبرص مع الترويكا في منع إفلاس اقتصاد الجزيرة وبقائها ضمن منطقة اليورو، إلا أن اللجوء للحلول السهلة سيلحق ضرراً بالغاً بالمودعين الذين تبخرت ودائعهم في غمضة عين وبدون سند قانوني. ويثير ذلك مسألة في غاية الخطورة، إذ إنه يلغي عملياً قناعة استمرت لعقود طويلة لدى المستثمرين، وهي أن بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة تعتبر أكثر البلدان ضماناً للاستثمار، بما فيها الودائع، إلا أن القرار الأوروبي الأخير يضع موضع الشك هذه القناعة ويعرض سمعة الأسواق الغربية لعدم اليقين، إذ يمكن القول إنه يتسنى الاستحواذ على الودائع أو على جزء كبير منها بكل بساطة ومن خلال سن واستحداث أنظمة جديدة دون أن يتمكن المودعون والمستثمرون من الدفاع عن حقوقهم. وفي المقابل لا يزال المتسببون في الأزمة المالية العالمية في أوروبا والولايات المتحدة بعيدين عن المساءلة القانونية، بل إنهم عادوا للحصول على مخصصات وعلاوات «بونص» بملايين الدولارات. ومن هنا لابد لبلدان العالم، وبالأخص البلدان العربية ومستثمريها في القطاعين العام والخاص، بما فيها الصناديق السيادية، من إعادة النظر في توجهاتهم الاستثمارية وإعادة هيكلتها وتوزيعها الجغرافي، إذ إن ما حدث في قبرص يدق ناقوس الخطر ويمكن أن يتكرر في دولة غربية أخرى، وذلك لتجنب الاستحواذ غير المباشر من خلال القوانين، علماً بأن عائدات هذه الودائع والاستثمارات أصبحت تشكل جزءاً مهماً من الدخل الوطني في العديد من البلدان العربية الغنية.