بانقضاء زيارة أوباما إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية، التي باتت اليوم وراء ظهورنا، لا شك أن التركيز سينتقل مجدداً إلى سبل إحياء عملية السلام المتعطلة، لكن بالنظر إلى دروس التاريخ سيتم مرة أخرى تجاهل السياسة الداخلية الفلسطينية، كما في الجولات السابقة، فخلافاً للاهتمام الكبير الذي يوليه الأميركيون للسياسة الداخلية الإسرائيلية وما تفرضه من قيود وإكراهات وتجاوب الساسة الأميركيين معها، مثل إحجام أوباما عن مطالبة الحكومة الإسرائيلية في عام 2010 بتجميد الاستيطان لعدم إحراج نتنياهو أمام شركائه في حكومته اليمينية، يصم الأميركيون آذانهم عن ضرورات السياسة الداخلية الفلسطينية وما تفرضه من تفاهمات. فقد مرت سبع سنوات منذ أن فازت «حماس» على «فتح» في الانتخابات التشريعية، مما شجع الأولى على التقدم خطوة إلى الأمام والسيطرة عسكرياً على قطاع غزة، منهية بذلك نصف قرن من هيمنة «فتح» على السياسة الفلسطينية. ورغم تمكن عباس من البقاء في السلطة، لم يعد أمام قيادته الشيء الكثير لتقديمه بعد الإخفاقات المتوالية لعملية السلام وتعثر المفاوضات، ناهيك عن الصعوبات المالية لحكومته والانقسام داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. وفي غضون ذلك انقضت فترة عباس في الرئاسة دون انتخابات، فضلا عن عدم انعقاد البرلمان الفلسطيني لست سنوات، في دلالة واضحة على شلل السياسة الداخلية وتراجع شرعية القيادة الفلسطينية. وأمام هذا الواقع الذي يتميز بالانقسام وعدم الفعالية، يشعر الفلسطينيون بإحباط كبير، لاسيما في ظل استمرار القمع الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني، فيما عملية السلام تكاد تكون ميتة. ورغم كل ذلك تواصل الولايات المتحدة التعامل مع قيادة عباس في الضفة الغربية كما لو أنها الوحيد في الساحة دون وجود معارضة سياسية، أو رأي عام يسائل السلطة، بل ولسنوات تعاطى الأميركيون مع السياسة الفلسطينية كما لو أنه يمكن تجاهلها، وإذا لزم الأمر يمكن إعادة تشكيلها للاستجابة لمطالب السياسة الإسرائيلية. وحتى هذه اللحظة تضغط أميركا على الجانب الفلسطيني للعودة إلى المباحثات، رغم حظوظها الضئيلة في النجاح، ورغم أولوية المصالحة الوطنية لدى الرأي العام الفلسطيني في هذه المرحلة. والحقيقة أن المقاربة التي تنتهجها أميركا تنطوي على خطأ فادح، إذ مهما كان اختلاف أميركا مع «حماس» وعدم قبولها لبعض مواقفها، فإن «حماس» أضحت جزءاً من الحياة السياسية الفلسطينية، كما أن مواقفها التقليدية حيال الدولة العبرية، لم تعد تمنعها خلال السنوات الماضية من تبني اتجاه برجماتي، سواء في التعامل مع إسرائيل أو في قبول حل الدولتين، لذا فإن أي محاولة أميركية لاستبعاد الحركة عن العملية السياسية وإقصائها، ستفاقم حالة الانقسام على الساحة الفلسطينية، وتطعن في مشروعية التفاوض. وكما أظهرت السياسة الأميركية القائمة على عزل «حماس» وتعزيز السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فإن النتائج كانت غير مرضية، خاصة بعد أن أصبحت السلطة الفلسطينية على شفا الانهيار، لذا فإنه لا مناص من العودة إلى السياسة الفلسطينية الداخلية وإصلاح أعطابها الكثيرة، كشرط أساسي لبدء عملية السلام وضمان قدر معقول من مصداقيتها. خالد الجندي باحث بمركز «سابان» لسياسات الشرق الأوسط ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»