لم أكن أتخيل أن نعيش في زمن غريب عجيب، تتوالى فيه الأحداث، وتتسارع اللحظات، وتشوه الحقائق وتكاد تختفي أمام العامة والخاصة. نقرأ الصحف، نشاهد المحطات الفضائية، نصغي للمذياع، كلها أخبار سيئة وإلى أسوأ. لم يعد للفرحة خبر أو ذكر بين مرادفات وكلمات القتل في الأخبار. احتارت عقولنا وزاغت أبصارنا عن فظائع الجرائم التي ترتكب في العالم كل لحظة، من شرقه إلى غربه، ومن قطبه الشمالي إلى قطبه الجنوبي. انتزعت الفرحة والبسمة من أفواه الأطفال، واستبدلت بالحزن والبكاء، ما ذنب الأطفال؟! هل ارتكبوا جرائم حتى يعاقبوا في مقتبل العمر؟! يتصارع الكبار غير مبالين بمن تحت الأقدام، هل دهسوا طفلاً أم حرموا أماً من فلذة كبدها؟ هل سمعوا تكسير عظام شيخ طاعن سئم الحياة يترقب لحظة الراحة الأبدية، يريد لحظة الوداع دون فجائع.
عالم غريب حقاً، بدأ يتغير، ويزداد كحالة، عالم نتجرع فيه مآسي المنون قبل أواننا، عالم طغت فيه العصبيات، عالم غيّر الجاهل إلى عالم، والعالم إلى جاهل. قذفنا بأحجار الكره والحقد، لا نجد من ينير الدرب لعامة الناس، الناس حيارى في ظلمات هذا العالم الغريب، يتخبط الجميع، لا يعرف أحد أين الخطأ أو الصواب، تتشابه الألوان وتتغير، أصبحنا نرى الحياة قاتمة مظلمة وبدون طعم ولا رائحة.
حجبت عنا مشارق الأرض ومغاربها، أينما توجه الفرد ببصره، فإنه موضع اتهام، موضع شك، كلا إنه قنبلة تتحرك، ستنفجر في أية لحظة، وثقت القيود والأغلال على جوارحنا، لم نعد نستطيع أن نعبر أو أن نرد، رميت علينا التهم دون حق الدفاع أو الرد على الهجمات.
طالت القتامة وازدادت الحلكة في نفوسنا، لم نعد نعرف أننا "كرهنا" في العالم إلى هذه الدرجة، شوّهت صورنا، رويت عنا القصص والخرافات، حوسبنا على النوايا، أثبتت علينا أحلام اليقظة على أنها تهمة حقيقية جلية للعيان.
كيف أصبح العالم متغيراً في لحظة؟ كيف وصلنا إلى هذه الحالة المزرية؟ ألا يوجد من يوصلنا إلى برّ الأمان؟ هذا هو حال المواطن العربي في زمن أغرق بعبارات القتل والتشريد، زمن لا يعرف إلا لغة القتل. ترى متى يأتي اليوم الذي ينعم فيه البشر بالأمن والأمان؟.
غانم سعيد - أبوظبي