لابد للاستراتيجي أن يفهم الفرق بين الاستراتيجية والتخطيط لكي يقوم بصياغتها بشكل جيد ولابد للمخطط أن يفهم أوجه الاختلاف بين التخطيط والاستراتيجية، لكي ينفذها بنجاح تام. والتخطيط ضرورة لتنفيذ الاستراتيجية، ولكن عقلية المخطط يجب أن تكون مختلفة عن عقلية صانع الاستراتيجية. وفي مادة العلاقات الدولية والاستراتيجية التي تدرس لمن تخصص سنوات في هذا العلم الإنساني الدقيق، هناك إجماع على أنه يجب على محترفي الأمن القومي أن يكونوا مدربين على ضرورة التيقن في التخطيط من خلال معطيات حياتهم المهنية، خلافاً لمجال الاستراتيجية المبنية على بُعد نظر في بيئة معقدة ويطبعها الشك وعدم اليقين. وعلى المخطط أن يكون نيوتونياً وعلمياً في مقارباته ومفاهيمه وتطبيقاته، بينما على الاستراتيجي أن يكون أكثر ضبابية، وإذا قام المخطط أثناء التنفيذ بشبك مفاهيمه مع تلك المتعلقة بالاستراتيجي (مع أن الخطة ناجحة) فإن التأثيرات الاستراتيجية الناجمة في دعم مثل هذا التصور قد تفشل وقد يكون لها مفعول عكسي. وعلى المفكر الاستراتيجي أن يكون صاحب قدرة كبيرة على تطبيق نظرية الاستراتيجية في العالم الواقعي، وأن يجمع بين مجالي الفن والعلم وضرورة خلق توليفة تجمع حسابات التقلب والتوجس والتعقيد والغموض التي تطبع البيئة الدولية الحالية. هذه بعض من الأفكار التي تعرضت لها في محاضرة ألقيتها مؤخراً بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية المتميز عربياًَ ودولياً، وأنا أستحضر هذه المعطيات الدقيقة في مجال الاستراتيجية والعلاقات الدولية التي كانت محط نقاش في قاعة المركز مع جمهور واع ومن مشارب فكرية مختلفة. وأتوقف اليوم هنا عند تقرير أخير أنجزته لجنة من مستشاري البيت الأبيض تحذر فيه أوباما من عدم توجيه وكالات الاستخبارات الأميركية اهتماماً واضحاً إلى الصين ومنطقة الشرق الأوسط والمناطق التي تعتبر تهديداً للأمن القومي نظراً للاستحواذ الزائد على العمليات العسكرية وغارات الطائرات من دون طيار (درون)، ومرد ذلك، وهذا هو بيت القصيد، أن أدوار وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي أيه» ووكالة الأمن القومي ووكالات الاستخبارات الأخرى انحرفت بطريقة واضحة عن مسارها الأصلي، وهذه اللجنة تعي ما تقول وهي التي قادتها شخصيات متميزة مثل وزير الدفاع تشاك هاجل والسيناتور السابق ديفيد بورين. وما يقع اليوم داخل المطبخ الأمني القومي الأميركي هو هذا الخلط بين عمل المخطط وعمل الاستراتيجي، وبين العملين وعمل السياسي أي الممارس السياسي الاستراتيجي الذي عليه أن يفهم بشكل كامل مستويات الاستراتيجية وعلاقاتها وبطور استراتيجية محددة. وكما جاء مؤخراً في مقالة لغريغ ميلر في «واشنطن بوست»، وهو من المساهمين في التقرير الذي تولى رئاسة وكالة «سي آي إيه» الشهر الحالي: "قال جون برينان، مستشار أوباما الأسبق لمكافحة الإرهاب، للكونجرس في فبراير إنه خطط لتقييم «توزيع المهام» في الوكالة، ووصف مدى مشاركة الوكالة في عمليات القتل بأنه «انحراف عن مهمتها التقليدية». وأوضح مسؤولو وكالة «سي آي إيه» أن أي تعديل لمسار الوكالة يتوقع أن يكون تدريجياً وليس دفعة واحدة. وأحد الأسباب وراء ذلك هو القلق الحذر بشأن تهديد «القاعدة». ولكن أحد الأسباب الأخرى يتمثل في النفوذ الذي تمارسه مؤسسات مكافحة الإرهاب مثل مركز مكافحة الإرهاب التابع لوكالة «سي آي إيه»، والتي توسعت خلال العقد الماضي. حتى أن برينان أكد أن وكالة «سي آي إيه» لن تتخلى عن أسطولها من الطائرات من دون طيار، قائلاً في ردود مكتوبة قدمها إليه أعضاء الكونجرس في إطار التأكيد على أن الوكالة: تمتلك تاريخاً شبه عسكري وينبغي أن يستمر كي تتمكن من توفير هذا الخيار للرئيس". ولكن، التقرير السري السابق للمجلس الاستشاري يعكس قلقاً أوسع بشأن الملامح الأساسية للوسيلة التي يتم بها تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب بعد 12 عاماً من بدايتها. يذكر أن برينان قاد العام الماضي الجهود لفرض قيود صارمة بشأن القتل المستهدف للمشتبه فيهم بالإرهاب في الخارج. وقد أجبرت الإدارة خلال الأسابيع الأخيرة على كشف التفاصيل الخاصة بالأسس القانونية لغارات الطائرات من دون طيار على مواطنين أميركيين في الخارج وسط مناقشات حادة في الكونجرس بشأن السرية المحيطة بمثل هذه القرارات. ويدرس البيت الأبيض أيضاً إمكانية منح وزارة الدفاع مزيداً من الرقابة على حملة الطائرات من دون طيار وخفض دور وكالة "سي آي إيه"، على رغم إشارة المسؤولين إلى أن التغيير قد يستغرق سنوات وقد لا يتضمن عمليات الطائرات من دون طيار في باكستان. وأساتذة الفن الاستراتيجي المؤهلون والمتقنون للأدوار الثلاثة في عهد بوش الابن كانوا من المحافظين الجدد، وما زالت سياستهم الخارجية في تلك الفترة وتدخلهم العسكري دون نظرات استراتيجية دقيقة، تلقي بفاتورتها الثقيلة على البيت الأبيض والسياسة الخارجية الأميركية وعلى مستقبل الأمن القومي، فحصل إلى حد الساعة ارتباك في العمل الاستراتيجي، لأن أعضاء فريق الدبلوماسية والأمن القومي يعملون في مستويات مختلفة وعندهم أدوار مختلفة في الدولة والهياكل التنظيمية الهرمية، والجميع بحاجة إلى احترام دوره وعمله من تخطيط واستراتيجية وسياسة ليتم التواصل بشكل فعال ولتبادل المعلومات فيما بينهم ومع الشعب الأميركي في نهاية المطاف. وهذا الخلط هو الذي أدى إلى انحراف أدوار بعض المؤسسات الأميركية، وبالتالي إلى ضعف في الإنتاج والمردودية، وهذا هو الجانب الخفي في التقرير السابق الذكر، وهذا ما تحذر منه نظريات الاستراتيجية في مجال العلاقات الدولية.