خلال العقود التي قضيتُها في إجراء استطلاعات الرأي، أتذكر لحظة واحدة فقط أزيح فيها حزب من الوسط بالقدر نفسه الذي أزيح به الحزب «الجمهوري» عن الوسط اليوم. ذلك أن التأثير الهائل للعناصر المتشددة في قاعدة الحزب يفعل بالحزب «الجمهوري» ما فعله أنصار «جين ماكارثي» و«جورج ماكجفرن» بالحزب «الديمقراطي» في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات: التسبب في جعل صورته متطرفة والوقوف في طريق إعادة الحيوية إليه. في تلك السنوات، أصبح يطلق على الحزب «الديمقراطي»، حزب «الحامض والإجهاض والعفو». وبسبب جنوح قيم «الديمقراطيين» كثيراً إلى يسار الأغلبية الصامتة، مُني «ماكجفرن» بخسارة نكراء في الانتخابات أمام «ريتشارد نيكسون» في عام 1972. وإذا كانت لا توجد عبارات جذابة بالنسبة لـ«جمهوريي» 2013، فإن مشاكل صورتهم تبدو جلية وواضحة في استطلاعات الرأي الوطنية، حيث أصبح يُنظر إلى الحزب «الجمهوري» باعتباره الحزب الأكثر تطرفاً، والجانب غير الراغب في التوافق أو التفاوض بشكل جدي لمعالجة الاضطرابات الاقتصادية، التي تطرح تحدياً كبيراً على البلاد. ولذلك، فلا غرو أنه حتى بعض عناصر القيادة «الجمهورية»، الذين كانوا جد واثقين في انتصار «رومني» – حتى عندما كان من الواضح أنه ماض نحو خسارة الانتخابات – باتوا يسعون الآن لإيجاد مرشحين جديرين بالانتخاب والتعاطي مع النفوذ الكبير للمتشددين داخل الحزب «الجمهوري». ويمكن القول إن رئيس «اللجنة الوطنية الجمهورية» رينس بريبس، لم يقم سوى بحك السطح الأسبوع الماضي عندما قام بتحليل أسباب هزيمة الحزب في نوفمبر الماضي: «ليس ثمة سبب واحد لهزيمتنا. فرسالتنا كانت ضعيفة، وأداؤنا كان دون المستوى، كما أننا لم نعمل على استيعاب واحتضان كل التيارات المنتمية للحزب، وكنا متأخرين بخصوص البيانات والأرقام، ونقاشنا انتخاباتنا التمهيدية كانت في حاجة إلى التحسين. ولذلك، فإنه ليس هناك حل واحد، بل قائمة طويلة من الحلول». قائمة طويلة، ولكنها قائمة لا تعالج صعود كتلة محافظة قوية أضعفت صورة الحزب «الجمهوري» وطنياً. فمعدلات التأييد الشعبي للحزب «الجمهوري» توجد اليوم عند أدنى مستوى لها منذ 20 عاماً، حيث يحمل 33 في المئة فقط من الجمهور رأياً إيجابياً عن الحزب، في حين ينظر 58 في المئة إليه نظرة غير إيجابية، وفق استطلاع حديث للرأي أجراه مركز بيو للبحوث. ورغم أنه يُنظر إلى «الديمقراطيين» على نحو أفضل (47 في المئة إيجابية، و49 في المئة غير إيجابية)، إلا أن مشاكل الحزب «الجمهوري» هي مشاكل من صنعه، وليست صورة انعكاسية لتجدد القوة الديمقراطية. والواقع أن قيم الأميركيين ومعتقداتهم هي اليوم أكثر انقساماً وفق الخطوط الحزبية من أي وقت آخر خلال الـ25 سنة الماضية. ذلك أن الهوة من حيث القيم بين «الجمهوريين»، و«الديمقراطيين» اليوم أكبر مقارنة بالهوة بين الرجال والنساء، أو الشباب والكبار، أو أي انقسامات عرقية أو طبقية. غير أنه إذا كان أعضاء الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» قد أصبحا أكثر محافظة وليبرالية، على التوالي، فإن كتلة من «المحافظين» المتعصبين أصبحت تشكل قوة طاغية على اليمين. ويمكن القول إن تصميمها ومحافظتها الشديدة هما اللذان حميا المشرعين «الجمهوريين» من رد الفعل القوي للناخبين الذي يرى بوضوح في استطلاعات الرأي. والواقع أنه على مدى عقود، قمت وزملائي بتحليل القوى والائتلافات المتنافسة داخل الحزبين. وضمن أحد الدراسات الوطنية التي قمنا بها، وجدنا أن نسبة الأشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم «جمهوريين» لم تهبط إلى مستويات تاريخية فحسب، ولكن أيضاً أن الانقسامات التقليدية بين المحافظين الاقتصاديين المؤيدين للشركات والمحافظين الاجتماعيين، داخل القاعدة الأصغر حجماً، قد ضاقت. فاليوم، ثمة اختلاف أقل من حيث القيم داخل الحزب الجمهوري مقارنة مع أي وقت آخر خلال ربع القرن الماضي. وعلى نحو متزايد، أخذت قاعدة الحزب تخضع لهيمنة كتلة جد متحمسة من الناخبين الذين يتبنون آراءً جد محافظة حول كل المواضيع تقريباً: حجم الحكومة ودورها، والسياسة الخارجية، والمواضيع الاجتماعية، والمخاوف الأخلاقية. كما أنهم يقفون مع حركة الشاي في الضرائب والإنفاق، ومع المحافظين المسيحيين في المواضيع الاجتماعية المهمة مثل حقوق الإجهاض وزواج المثليين. هؤلاء المحافظون المتعصبون، الذين صعدوا إلى الواجهة بقوة في عهد أوباما، يشكلون 45 في المئة من القاعدة «الجمهورية» ووفق استطلاع للرأي أجريناه في عام 2011، فإنهم مختلفون ديمغرافياً وسياسياً عن الهيئة الناخبة الوطنية. ذلك أن 92 في المئة منهم بيض، وهم يميلون إلى أن يكونوا ذكوراً، ومتزوجين، وبروتستانتيين، وميسورين، وفي الخمسين من عمرهم على الأقل. ولكن من المهم معرفة الكيفية التي تشكلت بها هذه الشريحة من الناخبين من أجل فهم لماذا استطاع المشرعون الجمهوريون الصمود في وجه رد الفعل العام الذي يرى في استطلاعات الرأي – ولماذا سيواجه الحزب صعوبة كبيرة في تجديد نفسه. ووفق استطلاع الرأي الذي أجريناه، هناك ثلاثة عوامل رئيسية ساهمت في صعود الكتلة المحافظة القوية للحزب «الجمهوري» هي: المقاومة الإيديولوجية لسياسات أوباما، والانزعاج من الوجه المتغير لأميركا، وتأثير وسائل الإعلام المحافظة. والواقع أنني لا أرى سبباً قوياً للاعتقاد بأن الكتلة المحافظة القوية ستذوي وتضعف أو ستنشق وتنقسم، بل ستظل قوة مهيمنة في الحزب الجمهوري وعلى الساحة الوطنية. غير أنني في الوقت نفسه لا أرى مؤشراً على أن أفكارها حول السياسات والحكامة والمواضيع الاجتماعية ستكسب أنصاراً جدداً، وذلك لأنها بعيدة جداً عن التيار الرئيسي الوسطي لمعظم الأميركيين. وعليه، فإن أي جهود جمهورية تروم التجديد ستواجه اختياراً صعباً: إذا كان المحافظون المتعصبون يساهمون في بقاء مشرعي الحزب الجمهوري في مناصبهم، فإنهم يساهمون أيضاً في الإبقاء على الحزب بعيداً عن البيت الأبيض. وببساطة شديدة، فإنه يتعين على الحزب الجمهوري أن يجذب قطاعاً واسعاً ومتنوعاً من الناخبين من أجل النجاح في الانتخابات الرئاسية. آندرو كوهت المدير المؤسس والرئيس السابق لمركز «بيو» للأبحاث ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»