السوْدَنة في اللهجة الخليجية تعنى (الحيرة أو الذهول أو عدم القدرة على التوصل إلى قرار. ويقال عن الشخص: متسودن! أي محتار أو مذهول أو لا يبقى على رأي). أما السَودنة هنا عن اليمن، فقد تحمل المضمون الخليجي نفسه! ولكننا نعني بها الانفصال على الطريقة السودانية. فلقد طالب قياديون جنوبيون في مؤتمر الحوار الوطني اليمني الذي عُقد الأسبوع الماضي في صنعاء بـ«استعادة دولة الجنوب ومنح الجنوبيين حق تقرير المصير». وقال القيادي في الحراك الجنوبي خالد بامدهف: «إن شعب الجنوب يتطلع لاستعادة دولته المستقلة المدنية الحرة عبر كافة الوسائل التي تكفلها الأمم المتحدة». وأشار إلى أن «الحرب التي دارت عام 1994 أنهت الوحدة وقضت على مشروعها الوطني وحوّلت الجنوب إلى أرض مُستباحة». ومعلوم أن فصائل الحراك الجنوبي قد شاركت في المؤتمر، في حين امتنع الفصيل الذي يرأسه الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض عن المشاركة في المؤتمر. في حين أعلنت الولايات المتحدة عن دعمها انطلاق الحوار الوطني في اليمن مشددة على أن هذا الحوار يُشكل «فرصة لكل أطياف المجتمع اليمني للمشاركة بإيجابية وجدية في رسم مسار جديد لليمن». ويرى يمنيون جنوبيون أن الوحدة قد سلبتهم العديد من ميزات المواطنة، وأن الشماليين قد استأثروا بالحكم وغنائمه! في حين تم تهميش الجنوب أرضاً وإنساناً حسب شواهد تتعلق بالتعيينات في المراكز العامة، والاستيلاء على الأراضي والمزارع التابعة للجنوبيين، وغيرها، في الوقت الذي يشكل فيه الجنوب مصدر الثروات الطبيعية لليمن. ولربما يكون من المثير إثارة قضية الانفصال في هذا الوقت الذي يحاول اليمنيون فيه لملمة جراحاتهم بعد الإطاحة بالحكم السابق، وترتيب أولوياتهم وبناء دولتهم التي صُنفت بأنها ضمن الدول الأقل نمواً في العالم. ويرى الباحث عبدالناصر المودع خمسة أسباب تحول دون انفصال الجنوب عن الجمهورية اليمنية، وهي: - افتقار حركة الانفصال إلى السند القانوني. وحسب القانون الدولي فإن المناطق الجنوبية جزء من أراضي الجمهورية اليمنية. - أن دعوة الانفصال لا تحظى بدعم خارجي حقيقي. - افتقار حركة الانفصال إلى الإمكانيات السياسية والعسكرية التي تؤهلها لبسط سيطرتها على المناطق الجنوبية. - وجود قوى جنوبية ترفض الانفصال، ومنها التيارات الإسلامية. (نسبة سكان الجنوب 1-5 من إجمالي سكان اليمن). - غياب الفصل الثقافي بين الشماليين والجنوبيين، وأن ربع سكان الجنوب هم شماليون في الأصل، وهذا التوافق السكاني لليمن الموحد سيقاوم دعوات الانفصال. وعلى رغم أن للجنوبيين أجوبة على تلك الأسباب أعلاها، إلا أن المصادمات التي بدأت منذ فبراير الماضي بين عناصر الحراك الجنوبي وقوات الأمن اليمنية، وسقطت خلالها أعداد من الجانبين، وحالة العصيان المدني التي طالت عدة مدن جنوبية، تجعل مستقبل العلاقة بين أبناء اليمن في يد المجهول! خصوصاً بعد امتثال أتباع الرئيس الجنوبي السابق لدعوته «إثارة الشغب»، أو المطالبة بحقوقهم، والتصدي لحزب «الإصلاح الإسلامي» لمنعه من إقامة احتفالات تأييد لعبد ربه منصور، وأيضاً الإطاحة بالرئيس السابق. دراسة لمركز «أبعاد» نُشرت في موقع «الصحوة نت» ذكرت أن «المجتمع الدولي رفض الانفصال، وأن هذا الانفصال قد لا يؤدي إلى دولة مستقلة تحقق الأمن والاستقرار في هذا الموقع الجيوسياسي المؤثر في السلم العالمي». إضافة إلى «دخول المشروع الانفصالي طرفاً مؤثراً في الصراع الإقليمي والدولي بين الكبار». كما أشارت الدراسة إلى أن «تحركات العنف المسلح للحراك الجنوبي تأتي داعمة ومتزامنة مع تحركات إيران لتفجير الوضع في المنطقة عبر أذرعها الإقليمية». وإلى أن «سعى الحراك الجنوبي لفرض الانفصال بوسائل عنيفة، وتحت قوة السلاح، يهدد مستقبل القضية الجنوبية الحقوقي والسياسي». والانفصال ينذر أيضاً بتداعيات إقليمية خطيرة، ما يمكن -لو تحقق- أن يقضي بإعادة ترسيم العديد من نقاط الحدود مع جيران اليمن، التي تمت تسويتها مع الجمهورية اليمنية! وهذا بدوره يؤدي إلى تغيّر الوضع الجيوسياسي والاقتصادي بين اليمن وجيرانه، وخصوصاً مناطق النفط الغنية! كما أن الانفصال وقيام دولة في الجنوب -ذي الثروات الكبيرة بالنسبة للشمال- سيؤدي إلى مضاعفات وتبعات اقتصادية، خصوصاً بعد مغادرة أكثر من 8 ملايين من العمالة الشمالية في الجنوب. كما ستتحمل دول الجوار عبء هذه العمالة وتبعاتها. كما أن الانفصال قد يعتبر شرارة جديدة لقيام الحوثيين -الذين تدعمهم إيران- بالمطالبة بحكم ذاتي! وهذا تترتب عليه أيضاً تغيّرات مقلقة لدول الجوار، كما أشار إلى ذلك الكاتب الحامد عوض الحامد في صحيفة «عدن الغد» الإلكترونية. وهذا التخوف له ما يبرره! لأن قيام دولة ضعيفة في الجنوب سيقوي شوكة الحوثيين الذين سيلقون دعماً من إيران من أجل إحداث قلاقل -حتى في اليمن الشمالي وجيرانه- والدخول في حرب عصابات طويلة الأمد! خصوصاً مع وجود «يمنين» لا يمناً واحدة. كما أن قيام قناة «العالم» التابعة لإيران بتبني خط الانفصال جعل المراقبين يجزمون بأنه تأييد أولي للتوجه الانفصالي وقد تتبعه «تأييدات» من نمط آخر لا يُستثنى منها التأييد العسكري. كما أن توجه القناة المذكورة فيما يتعلق بقضية الانفصال يبدو أكثر حماساً من أصحاب القضية أنفسهم. ومما تقدم نرى أن غياب الحوار والنية الحسنة والخطط الوحدوية العادلة -التي ترضي الطرفين (الشمالي والجنوبي) ودونما أي استحواذ- قد يجعل كفة العنف أكثر رجحاناً! وبالتالي دخول اليمن في معترك جديد يكون ضحاياه أبناء اليمن أنفسهم، ما قد يفتح الباب مشرعاً لتدخلات إقليمية لن تخلو من الأنماط العسكرية.