بدأ غزو العراق، قبل 10 سنوات، بناءً على معلومات استخباراتية خاطئة: وتميزت أعمالنا طيلة الحرب بالحسابات الخاطئة والتفكير الرغائبي. فقبل عشر سنوات، لم نكن مخطئين بشأن ما إن كان صدام يمتلك أسلحة دمار شامل فحسب، بل إن معلومة خاطئة أخرى شكلت بدايةَ الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة حيث أفادت أجهزة الاستخبارات أن صدام وأبناءه يختبئون في ملجأ محصن تحت الأرض في قصره جنوب بغداد. وتبعاً لهذه المعلومة، أمر بوش بإلقاء وابل من القنابل الخارقة للتحصينات وصواريخ كروز على القصر والمناطق المحيطة به في التاسع عشر من مارس عام 2003، قبل بداية الهجوم البري والجوي المخطط له. فدُمر المجمع وأصبح أثراً بعد عين، لكن صدام نجا ولم يصب بأذى، لأنه لم يكن موجوداً هناك أصلا. وأظهرت التحقيقات لاحقاً أنه لم تكن ثمة أي تحصينات تحت الأرض، وأن كل ذلك كان خطأ كبيراً. إدارة بوش لم تكن مقتنعة فقط بأن صدام يمتلك أسلحة دمار شامل، ولكن أيضاً بأن الشعب العراقي سيستطيع على نحو ما حكم نفسه بعد تنحية صدام عن السلطة. لكن الحكومة العراقية كلها انهارت عندما سقط صدام؛ ولم يكن لدى الولايات المتحدة لا الموارد ولا الخبرة لإصلاح ما تضرر. ثم ارتكب الجيش الأميركي خطأ الدخول في حرب طويلة ومكلفة كانت تسير نحو هزيمة تامة ضد حركة التمرد إلى حين التحول الأشبه بالمعجزة الذي حققه بترايوس وراي أوديرنو خلال «الزيادة» في عام 2007-2008. المنتقدون على حق في الإشارة إلى أن «زيادة» عديد القوات الأميركية، وتغيير طريقة نشر الجنود، وبرنامج التواصل مع القبائل السنية الذي ساعد على اصطفافها في صفنا، لم تحل كل مشاكل العراق. لكن من خلال تسطيرها هدف خفض العنف بنسبة 90 في المئة، أتاحت «الزيادة» فرصةً لتحقيق تقدم إلى الأمام، والأكيد أنها ألحقت ضرراً شبه قاتل بتنظيم «القاعدة» في العراق، وكذلك «جيش المهدي». والواقع أن العراق لم يكن سيرقى إلى آمال بوش في أن يصبح نموذجاً للديمقراطية في المنطقة ويغير الشرق الأوسط، لأن سنوات ما بعد صدام شابتها الكثير من الفوضى والاضطرابات والعنف. لكن العراق بدا، على الأقل، في طريقه ليصبح ديمقراطية ناجحة بنهاية عام 2011. غير أن ديسمبر عام 2011 شكل نقطة تحول أخرى في تاريخ العراق المضطرب، لأن ذلك كان هو التاريخ الذي انسحبت فيه كل القوات الأميركية بسبب الفشل في تأمين«اتفاقية وضع القوات». وظاهرياً، يعزى ذلك إلى رفض الجانب العراقي منح الجنود الأميركيين الحصانة القانونية التي طالب بها البنتاجون. لكن الحقيقة هي أن هناك الكثير من الدلائل على أن أوباما، الذي انتخب جزئياً لأنه عارض الغزو في البداية، لم يكن يميل إلى الإبقاء على وجود أميركي في العراق. وعندما تعثرت المفاوضات مثلما كان متوقعاً، أعلن أوباما عودة الجنود الأميركيين قبل أعياد الميلاد. كان ذلك قراراً شعبياً، لكنه كان ذا عواقب وخيمة لأنه حرر نوري المالكي حتى يكون طائفياً أكثر مما كان سيكون لو بقيت الولايات المتحدة. فقد أرسل قواته الأمنية لمداهمة بيت نائب الرئيس طارق الهاشمي الذي فر أخيراً إلى تركيا، لكن حراسه الشخصيين تعرضوا للتعذيب، ثم أُدين هو غيابياً بارتكاب أعمال إرهابية. هذا رغم أن العديد من السياسيين الشيعة المذنبين بجرائم كبرى مازالوا أحراراً. ولم يعمل المالكي سوى على تكريس سمعته من خلال الانتقائية في المتابعات القضائية خلال الأشهر الأخيرة، خاصة توقيفه الحراس الشخصيين لوزير المالية السني رافع العيساوي، ومحاولته توقيف العيساوي نفسه. لكن أعمال المالكي الطائفية تتسبب في رد فعل عنيف من قبل بعض السنّة الذين التحقوا بتنظيم «القاعدة» الذي أخذ يشن هجمات عنيفة، ليس في العراق فقط وإنما أيضاً في سوريا حيث يعمل تحت لواء «جبهة النصرة»، وهي واحدة من عدة مجموعات للثوار تقاتل نظام الأسد. وبدوره، يحظى الأسد بدعم إيران، وضمنياً العراق الذي تجاهل طلبات أميركية بوقف تدفق الأسلحة الإيرانية عبر أراضيه إلى سوريا. وهذا مؤشر على أن الرغبات الإيرانية تقابَل في عراق عام 2013 بقدر أكبر من الاحترام مقارنة مع رغبات واشنطن، وإن كان المالكي وشيعة عراقيون آخرون لا يرغبون في أن يصبحوا دمى «فارسية». وذلك منحى غير مرُض نحته الأمور، وبالتالي، فإنه يحق للأميركيين التساؤل: هل قمنا بغزو العراق حتى نحصل على هذا؟ الواقع أنه من المغري المجادلة بأن عملية الغزو برمتها، والتي تمت بناءً على معلومات خاطئة ومغلوطة، كانت مصابة بالنحس من البداية. ومع ذلك فقد كان بالإمكان، حتى بعد عدم اكتشاف أي أسلحة دمار شامل، أن تتخذ الأمور منحى مختلفاً لو أنه تم اتخاذ قرارات مختلفة: فمثلا، لو استعددنا على نحو جدي لإدارة عراق ما بعد صدام، ولم نفكك الجيش العراقي بدون داع، وأرسلنا منذ البداية عدداً كافياً من القوات للسيطرة على كامل البلاد، وتواصلنا مع القبائل السنية مبكراً، وأرسلنا الجنود إلى المراكز السكانية بدلا من تركهم معزولين في قواعد كبيرة، وأخيراً بقينا بعد عام 2011. والواقع أنه كان بإمكان قرار مختلف في كل واحد من هذه الأمثلة أن يأتي بنتيجة مختلفة. لكن أملنا الوحيد الآن هو، أنه مثلما فوجئنا بحركة التمرد الأولى في العراق وفوجئنا، بعض الشيء لاحقاً، بنجاح «الزيادة» في هزم المتمردين، أن نفاجأ مرة أخرى بالطريقة التي يمكن أن يتغير بها العراق إلى الأحسن. ماكس بوت محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»