عقدت في البحرين مؤخراً جلسات بين الجهات الرسمية ومجموعات من الفئات الشعبية التي يطلق عدد منها على نفسه مسمى «المعارضة الشعبية». ومثل هذه الجلسات أمر حميد إذا كان من يجلسون من أقطاب هذه الفئات في قاعات الاجتماع، لديهم نوايا حسنة وصادقة لإخراج البحرين من حالة الاحتقان الحالية، التي فرضتها عليها بسوء نية جهات خارجية، ونفخت فيها على أسس مذهبية وطائفية. والمهم في الأمر، هو أن شعوب دول مجلس التعاون تنظر إلى الحوار الوطني البحريني، على أنه بارقة أمل بادرت بها القيادة السياسية في البحرين، لإخراج البلاد من محنتها وإعادتها إلى الطريق القويم، الذي كانت تسير عليه مكونات شعب البحرين. وقد باركت شعوب دول المجلس تلك المبادرة ودعمتها بعقولها وأفئدتها، بسبب ما تكنه من حب للبحرين وأهلها. وعلى ضوء جلسات المصالحة تلك، وما مرت به البحرين حتى الآن منذ عام 2011، يأتي سؤال مهم يطرح نفسه، وهو: إلى أين تتجه البحرين؟ والواقع أن هذا السؤال سيبقى حائراً لمدة ليست بالقصيرة، وما حدث ويحدث حالياً هو جزء من الإجابة، فما يقوم به المتطرفون هو رفض لاستمرار الحوار الوطني ولاستمرار البحرين كدولة تضم الجميع وهم متراصون لإقامة الوطن المستقل، الذي يبحث لنفسه عن المكان، الذي يليق به في هذا العالم وهو ينعم بالاستقرار والأمن والتنمية. ما يحدث من أعمال عنف، وتخريب وشغب وإخلال بالأمن وإقلاق لراحة المواطنين وسكينتهم، دليل قاطع على أن المتطرفين يرفضون القبول بأن البحرين وطن للجميع تسوده جماعية ضاربة في جذور التاريخ، ويعيش مواطنوه وسط محيط خليجي عربي، يدعو إلى مزيد من التعاون والاندماج بين مجتمعاته، وعلى مستوى دوله التي يقطنها سكان مسلمون محبون للخير والسلام الوطني والإقليمي والعالمي. التعامل مع الشأن البحريني عبر الوسائل التي ينتهجها أولئك المتطرفون عن طريق تأجيج المشاعر المذهبية والطائفية ضد مواطنيهم الآخرين، لن يقود سوى إلى مزيد من الاحتقان والتشنج، الذي سيضر بمصالح الجميع. لقد كانت الرابطة التي تجمع بين كافة مكونات طيف المجتمع هي حب البحرين والولاء لها ولقيادتها السياسية، لكن تلك الرابطة الحميمية أفسحت فيما يبدو الطريق أمام ولاءات وارتباطات جديدة، لدى البعض تقع خارج البحرين، وهذه كارثة حقيقية. ومنذ تلك اللحظة صار التعبير عن الاختلاف في الرأي السياسي، يتم في صيغ مقيتة لم يعهدها البحرينيون الأصلاء على مدى تاريخهم المجيد. إن التعبير عن جميع الاختلافات القائمة والتعقيدات المجتمعية، صار يتم عن طريق استخدام العنف والتخريب، وقاد ذلك بدوره إلى صراعات مدنية مستحكمة جعلت من الصعب كثيراً إيجاد صيغ سهلة لإصلاح الواقع يقبل بها الجميع، وخلقت واقعاً مضطرباً على الصعد السياسية والاقتصادية والروحية والعاطفية، تهدد تماسك المجتمع وتنذر بتفككه. وهذا يفضي إلى القول بأن ما يحدث في البحرين حالياً، أدى إلى بروز ظاهرة جديدة أكثر خطورة وكارثية، ألا وهي انعدام الثقة بين مكونات المجتمع، لذلك فإن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه بقوة لم يعد متعلقاً بجلسات حوار وطني، أو يكون البحرينيون يستطيعون حل مشاكلهم بأنفسهم، بل يتعلق بهل أن من يسمون أنفسهم بالمعارضة توجد لديهم الإرادة السياسية التي من خلالها يبدأون بداية جديدة للمحافظة على مكونات البحرين الأصيلة، وهي سليمة لم تعبث بها أيادي العابثين من الخارج؟