كثيرة هي الدراسات والأبحاث التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة في الغرب، تبحث وتحلل بعض المظاهر والمؤشرات التي بدأت تظهر على سطح المجتمع والحضارة الغربيين، والتي تدل على أن الغرب بدأ يواجه مرحلة التآكل والتفكك في نسيجه الاجتماعي. وهذا الواقع الذي أصبح يشعر به بعض الباحثين هناك، ربما يقود الغرب إلى مرحلة يصفها بعضهم بـ «الموت السريري»، أي نهاية دور الحضارة الغربية التي ظلت سائدة منذ عدة قرون. ومن أهم الكتب التي تناولت هذه الظاهرة وصوَّرتها، كتاب باترك بيوكانان، مرشح الرئاسة الأميركية لعام 2000، وعنوانه «موت الغرب»، والذي تحدث فيه عن العوامل والمؤشرات التي ستقود أوروبا وأميركا إلى الجمود والانكماش ثم الاختفاء، حيث يقول: «إن أهم هذه العوامل وأخطرها توقف الشعوب الأوروبية عن التكاثر وبقاء معدل الخصوبة الحالية على ما هو عليه الآن، والتناقص الشديد في عدد السكان، خاصة بعد أن أصبحت الغالبية في أوروبا من كبار السن، وأصبح الغرب يعتمد بشكل كبير على المهاجرين». ثم يتحدث المؤلف عن ستة عوامل: 1- توقف النساء الغربيات عن الإنجاب، إذ لم يعد الزواج أساسياً في حياة المرأة الأوروبية والأميركية، بعد أن تفشت فكرة تحرير المرأة وإعفائها من تكوين الأسرة، وبعد أن سادت أفكار الحركات النسوية المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة، والتي دعت المرأة لتحرير نفسها من قيود المجتمع والدين وسلطة الرجل ومؤسسة الزواج، وشجعتها على ممارسة حياتها خارج الرابطة الزوجية... فكان لهذه الأفكار والدعوات أخطر تأثير على الأسرة الغربية. 2- زيادة الانحراف السلوكي، وانتشار التحرر من سلطان الضبط الاجتماعي... وبشكل خاص زوال الخشية من فقدان العذرية لدى الفتيات. 3- أدت الرفاهية والرخاء والترف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى قلب الموازين القيمية ونزع سلاح الأخلاق، حيث لم يعد ثمة مجال للتضحية من أجل الأسرة، بل أصبح منع الحمل وإجهاض الأجنّة ممارسة عادية، حيث تخلصت أميركا خلال ثلاثة عقود من 40 مليون جنين. 4- الاستسلام لمذهب الاقتصاد الحر، خاصة رأس المال الجشع الذي يتعامل مع الإنسان كحيوان استهلاكي، ويعتبر الأسواق والتجارة الحرة بمثابة الطريق الوحيد المؤدي إلى السلام والرفاه. 5- تآكل سلطة الوالدين والمعلمين ورجال الدين، والذين كانوا جميعاً يشكلون خط الدفاع الأول في حماية المجتمع من اختلال موازين القيم عند الشباب والشابات. 6- انهيار النظام الأخلاقي القديم، وبروز الثقافة الشعبية المتحررة من قيود الدين والمجتمع، والتي وضعت متع الجسم وإرضاء الغرائز فوق كل اعتبار، وجعلت الإعلام يتجه إلى إنتاج ثقافة تمجد المتع البدنية وإلى تصوير المرأة على أنها مجرد أداة للاستمتاع. إنه مأزق خطير، وربما يفسر جانباً من مواقف الغرب حيال التفوق السكاني للعالم النامي، وضمنه العالم العربي والإسلامي، وبشكل خاص ما تطرحه النخب الغربية حول المسألة الديموغرافية في الدول الإسلامية ذات الكثافة السكانية. وبدلاً من أن يعالج هؤلاء إشكاليتهم بثورة أخلاقية مضادة أو صحوة دينية متبصرة، يحاول بعضهم تصدير مأزقه عبر العمل على نشر ثقافة غامرت بالأسرة، وبددت طاقات المجتمع وقدرته على تجديد نفسه.