«التوقيت هو كل شيء» كما يقول المثل الشائع؛ وليس هناك توقيت أفضل من ذلك الذي نُشر فيه كتاب «يوميات الفاتيكان: نظرة من وراء ستار»، لمؤلفه جون ثافيس، والذي ظهر عقب أسبوع واحد على إعلان البابا بنديكت السادس عشر استقالته من منصبه. وبالإضافة للتوقيت، يستمد الكتاب أهميته من أن مؤلفه عمل كمراسل لمؤسسة «خدمات الأنباء الكاثوليكية» في الفاتيكان خمسة وعشرين عاماً، ما يعني أنه رجل يعرف دهاليز وخبايا هذه المؤسسة الدينية العريقة وما يدور فيها، على نحو يجعله أهلاً للإجابة عن أسئلة مثل: ما الذي يدور وراء أبواب الفاتيكان الضخمة المغلقة؟ وماذا يفعل هذا العدد الكبير من الكرادلة الذين يتجولون في أروقته؟ وما معنى الكثير من المراسم والطقوس؟ وسوف يفاجأ القارئ، عندما يعرف أن هذه المؤسسة الدينية المحاطة بهالة من القداسة هي مكان يتسم بعدم الانتظام بل الفوضى أحياناً. ويرى المؤلف أن الفاتيكان، بالإضافة لحاجته إلى حبر أعظم كي يضطلع بمسؤولياته الجسام؛ يحتاج أيضاً إلى رئيس تنفيذي ومدير للشؤون المالية، كي يضطلعوا بإدارة أموره، وحل مشكلاته اليومية وإعادته للانتظام والانضباط. كما يحتاج إلى فريق علاقات عامة يستطيع توصيل رسالته للخارج، على نحو واضح لا يشوبه الالتباس. ويتبين من الكتاب أن أغلب رجال الدين الذين يعيشون في الفاتيكان، بدءاً من الكرادلة وحتى الشمامسة والرهبان والموظفين الذين يتولون مسؤولية إرشاد الحجاج، هم من النوع الذي يحب التحدث كثيراً، ولا يتورعون أحياناً عن انتقاد الآخرين بقسوة، بل واغتيابهم. ويكشف المؤلف أن الفاتيكان الحقيقي هو مكان لا يغتاب فيه الكرادلة بعضهم بعضاً فحسب، وإنما مكان يلقي فيه هؤلاء الكرادلة - بل والحبر الأعظم نفسه أحياناً- النكات، ويفقدون أعصابهم ويحتدون على الآخرين، وقد يسخرون منهم بعبارات متجاوزة. والفاتيكان، بالإضافة لذلك، مكان يدافع فيه كل قسم من أقسام الجهاز الإداري والتنفيذي والاستشاري للبابا عن صلاحياته واختصاصاته دفاعاً شرساً لا يختلف عما يدور في الصراعات والمنازعات البيروقراطية في الأجهزة الحكومية، وقد تصل تلك الصراعات في بعض الأحيان حداً يستدعي تدخل البابا شخصياً لإنهائها. ويقول المؤلف إن رجال الدين من الرتب الكنسية الكبرى قد يسعون لتحقيق أهداف معينة، بينما يسعى رجال الدين من الرتب الصغرى إلى أهداف مختلفة، ما يخلق مناخاً غير صحي يحفل بالأخطاء والمكائد خلافاً للصورة الذهنية السائدة عن الفاتيكان ورجالاته. والفاتيكان أيضاً مكان قد يكون اختيار البابا فيه لقلنسوة معينة أمراً يشغل المؤسسة كلها بالنقاش والسجال المحتدم طيلة اليوم. ومن القصص التي يحكيها المؤلف، إصرار كاردينال أميركي على صف سيارته في جراج يقع تحت الأرض، ما أدى في نهاية الأمر إلى نقل مقبرة تاريخية يزيد عمرها على 2000 عام من موقعها. ولا يقتصر الأمر في الفاتيكان على ذلك، فوفقاً للمؤلف يمكن لترتيبات القداس والطقوس الدينية المعدة بعناية أن تنهار، ويتحول الأمر إلى نوع من الفوضى لا يتخيل حدوثها أحد. ويتطرق ثافيس للتوتر القائم بين التقليد والحداثة في الفاتيكان، وفي سائر أرجاء الكنيسة الكاثوليكية، موضحاً كيف يصدر الأكليروس والبابا البيانات، وكيف يناقشون أصعب القضايا والتحديات التي تواجه الكنيسة. ويختتم المؤلف كتابه بالإشارة إلى التحدي الرئيس الذي يواجه الفاتيكان حالياً، وهو تحدي البقاء في عالم يزداد علمنة على الدوام، عالم وإن كان يبدي افتتاناً بالأبهة التي تحيط بكنيسة القديس بطرس في قلب الفاتيكان، لكنه يزداد عدائية للمهمة التي تصر على القيام بها، وهي تحقيق التناغم والانسجام بين الأطراف المتحاربة والأعداء المتقاتلين داخل الكنيسة نفسها -وليس بينها وبين الكنائس الأخرى- كما يتخيل البعض للوهلة الأولى. سعيد كامل ------- الكتاب يوميات الفاتيكان: نظرة من وراء ستار المؤلف: جون تافيس الناشر: فايكنج أدالت تاريخ النشر: 2013