«في البداية، حين تلقيت التشجيع لأكتب قصة حياتي، شعرت ببعض التردد... لاسيما أنني بطبعي أميل إلى التطلع إلى الأمام، ولا أحب الالتفات إلى الوراء... وبعد تفكير طويل وعميق، قررت أن أدون مسيرة حياتي المثيرة التي بدأت حين كانت دبي إمارة مغمورة». إنها «السيرة الذاتية» لخلف أحمد الحبتور، رجل الأعمال والشخصية العامة البارزة، كما يروي فصول قصتها ويسرد أحداثها، مستخلصاً الدروس التي تعلمها من تجاربه في الحياة... فيدخلنا إلى عالمه المليء بالأفكار الملهمة، والشخصيات الغريبة والمثيرة. وفي فصل حول «الجذور»، يصف الحبتور أوضاع طفولته، ويتعقب أصول نسب عائلته، كما يتطرق إلى حوال مدينة دبي، حيث ولد وعاش وكان يسكن مع عائلته في بيت البرستي المكون من غرفة واحدة في حي الشندغة. فهناك أطلق صرخته الأولى عام 1949، وعاش طفولته التي يقول عنها: «كنت أرى البرستي التقليدي الذي عشنا فيه قصراً كبيراً، لكنه في الواقع كان صغيراً جداً، ويعج بثلاثة راشدين وطفل حديث الولادة، وبي أنا الصبي الصغير الذي لم تسعه الدنيا، والذي لطالما أراد أن يشق طريقه الخاص فيها». كما يتطرق لعلاقته بوالده الذي أحب أطفاله جميعاً، لكن صاحب «السيرة الذاتية» كان الأعز إلى قلبه، فعرّفه على أصدقائه، وكان يصطحبه معه في أسفاره، كما علّمه السباحة والصيد والرماية وركوب الجمال، و«بما أنه كان تاجراً صغيراً في اللؤلؤ والذهب الأصلي، فقد علّمني أصول التجارة». وأمضى خلف جزءاً من طفولته في منطقة «اللية الصغيرة»، حيث عرف حبه الأبدي للبحر وتعلم مع أقرانه أن يميز السفن التابعة لشركة الهند البريطانية للملاحة البحرية، لكن عائلته انتقلت من «اللية» إلى الشارقة، وهناك تعرف إلى أصدقاء لا يزال يذكرهم، ويذكر ما كان يجمعه بهم من قواسم مشتركة؛ مثل ولعهم جميعاً بكرة القدم. أما المدرسة فكانت «النقطة السوداء الوحيدة على سجل وجودي الحر والمطلق»، ذلك أن «الدروس لم تبد لي مرتبطة بأي ناحية من نواحي حياتي... كنت أتخيل جدران المدرسة سجناً يقف حائلاً دون قيامي بكل ما أحبه». وفي فصل «المغامرة» يتحدث الحبتور عن عودة أسرته إلى دبي عام 1957 بعد انتهاء الخلاف العائلي الذي أتى بهم إلى الشارقة، لكن ما نغض فرحتهم بالعودة كان مرض، ثم وفاة حاكم دبي آنذاك الشيخ سعيد بن مكتوم بن سعيد آل مكتوم في العام التالي، حيث تولى مقاليد الحكم من بعده نجله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي بدأ عام 1959 في مشروع لتمكين السفن الكبيرة من الإبحار في الخور، وفي العام نفسه أطلق مشروع إنشاء مطار دبي. وبموازاة التحول الذي شهدته مكانة دبي كمركز تجاري متعاظم الأهمية، عرف الحبتور تحولاً آخر على المستوى الشخصي والعائلي، وذلك حين «بات أخي محمد يملك محطة وقود... لقد شعرنا براحة لا توصف... لم يعد ينتابنا قلق حيال تأمين الوجبة التالية». وقبل ذلك تسنى له تحقيق حلم حياته بالسفر إلى الهند صحبة والده، حيث وقفا تحت القوس الضخم لبوابة كولاب، لكنهما لم يجرؤا على التفكير في دخول تاج محل المهيب المواجه له؛ «وحتى لو تمكنّا من دفع الثمن الباهظ لابريق من شاي دارجلينج الفاخر... فسنشعر بالغربة وسط السيدات الراقيات اللواتي يتحلين بالجواهر». ويستخلص صاحب «السيرة الذاتية» من ذلك الموقف: «ربما ليس أشد ما يعانيه الفقير أن يكون عاجزاً عن سد رمقه، بل أن يكون نكرة، وأعني بذلك حينما يخفق الناس في رؤية قيمته الحقيقية كبشر... عار علينا كبشر أن نتجاهل الفقراء، أو نعاملهم كمنبوذين، وقد عاهدت نفسي ألا أفعل ذلك مهما جمعت من مال». بيد أن رحلة جمع المال لم تكن مفروشة بالورود والرياحين أمام الحبتور، بل كانت محفوفة بالمصاعب والمتاعب والمخاطر، وكانت البداية عندما انضم إلى شركة أميركية تعمل في مجال الجيولوجيا، رغم أنه لا يعلم من الإنجليزية سوى كلمتين أو ثلاث. وبعد عدة أشهر أصبح موظفاً في مكتب جمارك دبي، لكنه استقال منه للعمل مع رجل أعمال بارز في دبي، هو محمد سعيد الملا، والذي جعله يرعى مصالح شركة بناء يملكها في أبوظبي، غير أنه استقال منها حين بدأ يلاحظ الحاجة المتزايدة في دبي إلى فنادق وفلل وشقق جديدة لتستوعب الوافدين الجدد إليها. ورغم أنه لم يكن يملك أي مال، فقد أسس شركة مقاولات هندسية خاصة به، وشيئاً فشيئاً نمت شركة «الحبتور للمشاريع الهندسية»، وازدادت قوة ومتانة وأصبحت العقود الكبيرة تنهال عليها بشكل متواصل. لكن ذلك النجاح نغصته تجربتان فاشلتان؛ إنشاء مصنع للصابون وتأسيس شركة لإنتاج الأفلام. إلا أن صاحب «السيرة الذاتية» ظل يحلم بامتلاك فندقه الخاص، وهو الحلم الذي حققه له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1978 حين منحه أرضاً ليقيم عليها الفندق، ثم شرعت «الحبتور للمشاريع الهندسية» بالبناء، ليفتتح الشيخ راشد رسمياً فندق الميتروبوليتان في عام 1979. ثم توسعت أنشطة الحبتور ليشتري وينشئ سلسلة من أرقى وأشهر الفنادق في أنحاء العالم. وكما يعرض الكتاب تجارب شخصية مثيرة وموحية، في عدة فصول، مثل: «الفرح والحزن»، «الأيام الخوالي»، «حاولوا ولا تيأسوا»، «الآمال والمخاوف»، «اليوم والغد»... فإنه يعرّج أيضاً على بعض القضايا والمواقف والتجارب السياسية، في فصول أخرى، مثل: «السلام»، «مناصرة القضايا»، «أم المعارك»، و«آراء عن عالمنا». وباختصار، فإن الكتاب يروي قصة حياة رجل كافح منذ طفولته وصنع نفسه بنفسه، فواجه صعاباً كبيرة وتغلب على تحديات جمة... كما يسرد قصة دولة فتية قامت ونهضت برؤى قادتِها وعزائمهم الصلبة. ورغم حجمه الذي يناهز ستمئة صفحة، فهو يأخذ القارئ للاسترسال في متابعة صفحاته دون توقف، حتى آخر صفحة فيه. محمد ولد المنى ------- الكتاب: خلف أحمد الحبتور... السيرة الذاتية المؤلف: خلف أحمد الحبتور تاريخ النشر: 2012 الناشر: موتيفيت للنشر