كل إنسان رواية وخاتمة، وانتهت رواية البوطي دموية جداً. إنها تذكر بنهاية راسبوتين الروسي، وكان رجل دين، وكان نافذ التأثير في العائلة الملكية، كما كان البوطي شديد التأثير في العائلة الأسدية. جاءت في القرآن الكريم أربع نهايات مأساوية للأفراد والجماعات: تحت الأخذ بمسمى الذنب نفسه، فكلا أخذنا بذنبه: ـ فمنهم من «أرسلنا عليه حاصباً» (قوم عاد)، نموذج الشمولية والاعتداد بالقوة: «من أشد منا قوة». ـ ومنهم من «أخذته الصيحة» (قوم ثمود)؛ نموذج البنيان والمصانع لعلهم يخلدون! ـ ومنهم من «خسفنا به وبداره الأرض» (قارون)؛ نموذج الرأسمالية المتوحشة. ـ ومنهم من «أغرقنا» (فرعون)، نموذج الطغيان السياسي. والسؤال الآن: هل هي العدالة الإلهية التي تكتب نهاية الأفراد والجماعات في الدنيا؟ وهل فعلا تمثل العدالة الأرضية نهاية الرحلة، أم أنها تعجز كثيراً؛ فينبثق منها مفهوم (اليوم الآخر) ونهاية الرحلة والعدالة الكاملة؟ حين توضع الموازين القسط ليوم القيامة، «ولو كان مثقال حبة من خردل يؤتى بها» فيقول الله: «وكفى بنا حاسبين». الجواب على هذا من جانبين: قصور العدالة الأرضية في التاريخ الممتد؛ فالكثير من الطغاة ماتوا في عزة وشقاق. وبالمقابل فإن الكثير من المصلحين والفلاسفة انتهوا بالسجن أو التهجير أو القتل. لقد قُتل غاندي برصاصة، كما انتهت حياة مارتن لوثر ومالكوم أكس، وكلاهما أميركيان أسودان، بالاغتيال. وكقاعدة عامة، يقول القرآن، وفي التاريخ براهين وتأكيدات، إن هناك ثلاث نهايات للجماعات الإجرامية: عدالة تظهر على السطح فتنهي حياة نظام شمولي مستبد، ونموذج ذلك تشاوسيسكو. كما أن نظاماً مجرماً قد ينتهي دون أن ينتهي صاحبه بعدالة، مع أنه أرسل إلى الموت طوابير الناس، مثل بول بوت. وقد يتابع نظام إجرامي حياته، ثم ينتهي بعد حين، لكن يموت صاحبه في جنازة هائلة مثل ستالين وحافظ الأسد. ونظام ينتهي مع صاحبه، فيموت الاثنان، ونموذجه نازية هتلر وفاشية موسوليني. هناك محامي فرنسي تطوع للدفاع عن نازيين رهيبين، وقال: أحاول فهم لماذا يقوم المجرم بجريمته؟ ومن أين جاءت دوافعه؟ ومن هنا يمثل دور البوطي بالنسبة لي لغزاً؛ فهو رجل الدين وفقيه السلطة. لكن كيف يمكن لرجل الدين السني أن يدافع بذلك الحماس عن نظام مستبد في وجه ثورة شعبية؟ وكيف يصل به الأمر إلى دعم فتوى تطالب بالجهاد تحت راية نظام علماني هدفه اجتثاث الإسلام؟ هنا يصاب الإنسان بالدوار أمام الأدوار! أذكر أنني سألت يوماً صديقي القطري الأنصاري عن تفسير التناقض في السياسات الخارجية لبعض الدول العربية، فقال الجواب سهل، هي السياسة يمكن أن تكون مثل الزئبق خاضعة لكل تشكيل، أو حبار البحر الذي يتلون بكل لون. البوطي لغز من جهة وهو واضح من جهة أخرى، لكنه على أية حال فقيه السلطة وواعظ السلطان بتعبير علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي، فلا جديد. من قتل البوطي إذن؟ إنه نقطة تقاطع من عدة دوائر تريد الخلاص منه، ربما أولها السلطة، كي تثير فتنة وتشوه وجه الثورة. يمكن أن يكون النظام أراد التخلص منه بعد أن أدى أدواره مشكوراً، كما يمكن أن يكون النظام قد مكّن لمن يدخل الحلقة الأمنية المخيفة للمكان، فيسمح له بالقضاء على فقيه السلطة وإطلاق يد السلطة أكثر في الجريمة والانتقام. سوريا اليوم مغسولة بالدم، ودم البوطي جزء من هذا الدام، دم الثوار الذين قضوا في مواجهة نظام دموي. علينا أن لا نفرح كثيراً بأخبار الموتى المقتولين، ولنكتب كما كتب يوماً فرويد لآينشتاين: أفكار لأزمنة الموت.