الإجازة، حرية حقيقية، وهي أقرب ما تكون إلى تطبيق المثل الأعلى في حق العيش والتحرر والسعي إلى السعادة ، الذي ورد في نص إعلان الاستقلال الأميركي· ما قولك عزيزي القارئ إذا حظيت بالحرية في كل يوم من أيام حياتك؟
ينبغي أن نأخذ احتمال وإمكانية تحقق ذلك بعين الاعتبار لأننا الآن نقف على عتبة الثورة الروبوتية· كيف لا ونحن نعلم أن الروبوتات البدائية تتولى الآن القيام بالأعمال من حولنا: وليست مضخات الوقود المؤتمتة وخطوط تسديد الفواتير الآلي في مراكز التسوق، سوى بداية الثورة الروبوتية في مكان العمل، وهي ثورة توشك أن تنطلق بتسارع كبير بعد حين·
وقد حققت الثورة الكمبيوترية تقدماً كبيراً مطرداً على مدى السنوات الأربعين الماضية حيث تتضاعف سرعة الكمبيوتر وسعة الذاكرة كل 18 شهراً وفقاً للعملية المعروفة بقانون مور· وإذا قمنا بإجراء تقديرات استقرائية واستنتاجات لمعرفة تلك الاتجاهات، فسوف نجد أن مقدرات الكمبيوترات المكتبية سوف تعادل مقدرات الدماغ البشري بحلول عام 2040 على وجه التقريب· وباعتبار أن القدرة الحسابية ستبلغ في نهاية المطاف حد التعادل مع الدماغ البشري ثم تبدأ في مسيرة التفوق عليه، فإن الروبوتات سوف تصبح على نحو مطرد أكثر بشرية من ناحية الذكاء والتمييز البصري ومعالجة اللغة·
لقد كانت الأرض على مدى آلاف السنين موطناً لنوع واحد فقط من أنواع الكائنات الذكية، لكن البشر يقومون الآن بهندسة نوع ذكي آخر، وما هي إلاّ بضعة اختراقات ومراحل تقدم حتى تنفتح بوابات طوفان الثورة الروبوتية، وعندئذ ستنخرط الروبوتات في منافسة مباشرة معنا على الوظائف وفرص العمل· ومع مضي الوقت، سيرتفع هذا النوع الجديد من هذه الكائنات على سلم التحسينات المتزايدة، لكنه سيهبط أكثر فأكثر على سلم التكاليف المادية·
سوف تبدأ الروبوتات بأداء كل مهمة أساسية من مهامنا بحلول عام ·2040 وسيشهد ناس ذلك الزمان قيامها بأعمال تغليف وتوضيب ونقل كل الطعام الذي نأكل؛ كما ستقوم بأعمال بناء منازلنا التي نعيش فيها، إضافة إلى قيامها بعمليات تصنيع وبيع كافة المنتجات الاستهلاكية· لا تتعجبوا: فعندما انطلقت طائرة الأخوين رايت الكسيحة المخلّعة الأوصال إلى الجو في عام ،1903 كان من المستحيل على البشر أن يتصوروا أن القاذفة الاستراتيجية بي 52 ستكون قادرة بعد خمسين سنة على قطع نصف دورة حول الكرة الأرضية وهي تحمل 70 ألف رطل من القنابل· وعلى النحو ذاته، يستحيل علينا في الوقت الراهن أن نتخيل الروبوتات وقد استولت في عام 2050 على كافة الأعمال والوظائف التي ما زال البشر يقومون بها في اقتصاد اليوم· لكن الروبوتات آتية وستفعل ذلك، وإن وجود القوة الروبوتية العاملة سيكون أمراً محتوماً لا فرار منه، تماماً كما كانت الطائرات النفاثة وصارت·
وبقيام الروبوتات بالعمل، سنأخذ نحن البشر كلنا إجازة دائمة، لكن سوء الحظ يقضي بأن ذلك ليس هو ما سيحدث، والسبب متأصل في بنية اقتصادنا الحالي·
ربما سنشهد في المستقبل بطالة جماعية هائلة حين يأتي زمان نرى فيه الروبوتات تستولي على وظائف البشر إلى حد أن البشر سينتهي بهم المطاف في مهاجع مراكز الرفاه الاجتماعي· أو ربما سنقوم باستحداث أعمال ووظائف جديدة تحل محل القديمة· لكن الخيار الثالث سيكون خياراً ثورياً: فماذا لو أننا تركنا الروبوتات تستولي على وظائفنا، في حين أننا جميعاً نحن البشر نحرز الحرية الاقتصادية الفعلية لأول مرة في التاريخ البشري؟
لكن تحقيق الحرية الاقتصادية الفعلية يوجب علينا، دون شك، خرق وتحطيم العقيدة الأساسية التي تحكم عمل اقتصاد اليوم، أي كسر الرابط بين العمل والدخل· فإذا صارت الروبوتات تقوم بالعمل كله، لن يبقى لهذا الرابط أي معنى وقيمة، وعندئذ سنكون بحاجة إلى مثال أو نموذج جديد·
في النموذج الراهن، يعمل ملايين البشر ليجعلوا الغني أغنى وأكثر ثراء· وإليكم هنا مثالاً مثيراً: هناك 3,5 مليون عامل في ميدان الوجبات السريعة، وهم يتقاضون الحد الأدنى من الأجور بحيث يتمكن المديرون التنفيذيون من جني مليارات الدولارات؛ ونحن نرى هذه الصيغة ذاتها في كل أرجاء وميادين اقتصاد اليوم· وهكذا يتركز مزيد ومزيد من المال والثروة في أيدي حيتان الثراء الفاحش·
ولذلك يستطيع هؤلاء الأثرياء أن يشتروا المرشحين، وأعضاء جماعات الضغط(اللوبي) والمحامين وذلك بغية تجميع وحشد قوة اقتصادية هائلة· وعلى هذا النحو ارتفعت مرتبات المديرين التنفيذيين بمعدل 10 أضعاف منذ عام ·1980 وهنا نذكر حالة ديك غراسو الذي يتقاضى الآن مرتباً قدره 140 مليون دولار فقط ليكون بذلك أفضل وأوضح مثال في سياق دراسة هذه الظاهرة· لكن هناك أيضاً الآلاف غيره، ومنهم إيبيرس ، آشكوتز ، غيتس و كيس والحبل على الجرار· وفي غضون ذلك، لم يتغير الحد الأدنى من الأجور منذ عام ،1997 في حين بقيت أجور العاملين راكدة دون أن تطرأ عليها الزيادة· وستقوم الروبوتات بتسريع هائل لعملية الثروة ما لم نوقفها ونضع لها حداً·
تقوم الآن شركة ماكدونالد (للوجبات السريعة)