أبارك لشعبنا السوري ولادة أول حكومة تبدأ حقبة جديدة في تاريخ سوريا، وأدرك خطر ما ستواجهه من تحديات غير مسبوقة، ولاسيما أنها لن تكون حكومة منفى، وإنما ستكون في ساحة المعركة، ومع الثوار الذين يتعرضون للقصف المدفعي والصاروخي. وستكون مع المشردين الذين تهدمت بيوتهم وأسواقهم، وصاروا بلا مأوى وبلا عمل، وأعدادهم بالملايين، وقد باتت عملية البناء تعني البدء من الصفر في كثير من المناطق التي تعرضت لتهديم المدارس والمشافي والمخابز والمصانع وجل البنى التحتية ومصادر الطاقة من الماء والكهرباء. وستكون الحكومة بحاجة إلى ذراع تنفيذي، وإلى بناء السلطة القضائية، وسيكون التحدي أكبر مع تصاعد العنف، ومع ما تكنه بعض الدول الكبرى من مخططات لا نعلم كل خفاياها. لكن السوريين جميعاً باتوا قلقين من المواقف الغامضة والملتبسة التي تبدي دعماً كلامياً للشعب السوري، ولكنها تخاف من انتصار ثورته. وقد كثر حديث بعضها عن القلق على مستقبل الأقليات، والتخوف من الأسلمة والتطرف، ومن الصوملة والأفغنة، وكل ذلك يجعل الشعب السوري يخشى أن تكون هذه الأوهام المفتعلة ذرائع لتمرير خطط قد تظهر فجأة لتقضي على حلم السوريين بوطن مستقر ينعمون فيه بالحرية والكرامة. وهذه الذرائع مجرد فزاعات لا وجود حقيقياً لها على أرض الواقع، فالتلويح بالخوف على الأقليات افتعال لمشكلة غير موجودة، فالسوريون الذين صهروا حضارات العالم في ثقافتهم العريقة عاشوا أسرة واحدة لم تفرقها الأديان والمذاهب عبر التاريخ إلا حين كان الغزاة يفتعلون ذلك، كما حدث يوم الغزو المغولي والصليبي والانتداب الفرنسي، ولم تنجح قط خطط التفرقة، لأن التفاعل الاجتماعي السوري كان أقوى من كل الفتن التي أثارها الغزاة. ولقد عبرت هذه الأقليات عن انتماءاتها الوطنية الأصيلة، وعن انصهارها في اللحمة الوطنية منذ أيام جبلة بن الأيهم إلى أيام فارس الخوري وسلطان باشا الأطرش وصالح العلي إلى أيام جورج صبرا وميشيل كيلو، وعارف دليلة، وحبيب صالح وسواهم كثير من الذين يعتبرون رموز حركة المواطنة اليوم. وأما الأكراد - وأخصهم لكثرة ما يشاع عن طموحات بعضهم- فهم في قلب هذا النسيج وفي شريانه، من قبل عهد صلاح الدين الأيوبي إلى عصر إبراهيم هنانو، وصولاً إلى عصرنا اليوم، حيث اختار السوريون عبدالباسط سيدا رئيساً للمجلس الوطني قبل الشيخ معاذ الخطيب، وحيت يختارون اليوم أول رئيس لحكومة الثورة غسان هيتو وهما كرديان. ولا أنكر أنني أغالب حرجاً في ذكر هذه التفاصيل وذكر الأسماء ببعدها الرمزي، ولكننا بتنا مضطرين أن نرد على من يفتعل خوفاً على الإثنيات والطوائف والأعراق ليمهد لطرح أفكار خبيثة، تحلم بالتقسيم أو المحاصصة، وتجعل نتائج الثورة كارثية على السوريين جميعاً. وأما القلق من التطرف ومن الجبهات المسلحة فهو كذلك مفتعل، لأن الشعب السوري مضرب المثل عالمياً في تقديم الإسلام المعتدل، وهو الذي قدم عبر القرون نموذج الوسطية التي جعلت الإسلام راسخاً في عقول ووجدان السوريين. ولئن كانت بعض القوى قد أدخلت إلى الساحة السورية بعض المتشددين، فإنهم لا يشكلون أية ظاهرة خطيرة على المستقبل، لأن الحاضنة الاجتماعية الوسطية المعتدلة لا تقبل أي فكر متشدد أو متطرف. ويبدو أن كثيراً من الوهم والمبالغة يشوب التوصيف الراهن، إن من حيث العدد، أو من حيث قوة الحضور، وينبغي أن يفهم المراقبون أن لجوء الثائرين والناس عامة إلى الدين في ساحات الموت والشهادة أمر طبيعي، لأنه يشكل طاقة إيمانية ودافعاً روحانياً، ولولا إيمان الناس بربهم لما تمكنوا من الصبر على ما يذوقون من بلاء وفواجع غير مسبوقة. وينبغي أن يفسر هذا التدين في مساره التاريخي والوجداني دون التباس أو تزييف أو تهويل. وحسب السوريين مرجعية أنهم شهدوا ولادة أول دولة عربية مدينية أسسها الأمويون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أبنائهم في دمشق، وهي التي نشرت الإسلام بتمثل حضاري لكل ثقافات العالم في عصرها. وأما تحذير السوريين من تحول سوريا إلى ساحة إرهاب، فإن معظم السوريين يدركون أن تردد المجتمع الدولي في دعم ثورتهم بشكل قوي وفعال هو الذي يتيح للفوضى أن تجد بيئة للإرهاب ولو أن الجيش الحر وجد الدعم المطلوب لتمكن من ملء كل الفراغات، وهو جيش وطني بامتياز، ومن يقلق حقاً على مستقبل سوريا، ويخشى من تداعيات الفوضى، فإن الوقاية الممكنة اليسيرة هي في دعم الجيش الحر وتمكينه، وهو القادر في المستقبل على لمِّ شمل الجيش السوري كله، وإعادة بنائه بما يضمن لسوريا أمنها واستقرارها. وبالطبع لن نستبعد أن يدور حوار سياسي مضطرب بين فصائل الثورة ومكوناتها في المستقبل، ولكنني أتفاءل بأن يفيد السوريون من الدروس والعبر الراهنة في كل البلاد التي سبقتهم، مثل تونس وليبيا ومصر. وأعتقد أن توجه الأكثرية إلى نماذج الدولة السورية في الخمسينيات سيشكل ضمانة لرؤية وطنية قابلة للتطوير، فعلى رغم أن الخمسينيات السورية كانت مرحلة انقلابات عسكرية انتهت باللجوء إلى الوحدة مع مصر، إلا أنها شهدت تجربة ديمقراطية غنية بتنوعها وحيويتها، وشكلت حاضنة للقوى السياسية الوطنية، ولولا أن سمة العصر آنذاك فرضت على سوريا صراعات عسكرية بتداعيات نكبة فلسطين لكانت التجربة الديمقراطية التي أجهضها عهد الوحدة مع مصر قلد بلغت ذروة تضاهي ما بلغته أوروبا. وقد عادت سوريا إلى خبرتها الديمقراطية في فترة الانفصال القصيرة، حيث ابتعد العسكريون عن الحكم وسلموه للمدنيين قبل أن يعود العسكر إلى الحكم عام 1963 ويدفنوا التجربة الديمقراطية في سوريا خمسين عاماً. ولكيلا لا تكون ولادة الحكومة الثورية الجديدة ترسيخاً لثنائية بغيضة تشكل مشهداً مخيفاً في وجود حكومتين لسوريا ونشيدين وعلمين، فإننا نحث المجتمع الدولي على تجسيد اعترافه بالائتلاف الوطني عبر الاعتراف الكامل بشرعية حكومية واحدة وتمثيل دبلوماسي واحد. ومع ثقتنا بصمود شعبنا وقدرته على تحقيق النصر، فإننا نتفاءل بأن يحسم المجتمع الدولي تردده، وأن يجد حلولاً سياسية يتوقف من خلالها شلال الدم، ويتم معها الحفاظ على ما تبقى من سوريا قبل أن يجهز عليها التدمير الشامل، مع تحقيق هدف الشعب في انتقال السلطة إليه ليبدأ مرحلة إعادة بناء الدولة والمجتمع.