كان العصفور يطير باحثاً عن طعام عندما صدمته سيارة، وحمل سائق السيارة العصفور المغمى عليه إلى منزله، وعالجه حتى استعاد وعيه، وفتح عينيه فرأى نفسه داخل قفص، وتساءل: «معقوله، صدَمتْ السيارة ومات صاحبها وسجنوني بتهمة القتل العَمْد؟». هكذا بدا مسؤولون عراقيون شاركوا في البرنامج التلفزيوني «ساعة حساب من العراق». أعدّ البرنامج «بي بي سي» العربي بالتعاون مع قناة «العراقية»، بمناسبة مرور 10 أعوام على الغزو الذي بدأ في 20 مارس 2003، وكأنه 20 مارس أمس. مقالاتي المنشورة هنا، قبيل وخلال الغزو وبعده وحتى الآن، لا تزال تقاتل، ولهذا ربما لا أقوى على إعادة نشرها، وكلما أهمُّ بالكتابة عن العراق أسمعني أردد مع نفسي دعاء سيدنا المسيح عليه السلام: «إلهي أبعد هذه الكأس عني». عنوان أول مقالة لي منشورة هنا بعد يومين من الغزو «انتهاك للقوانين الدولية وجريمة ضد الإنسانية». وتبعتها قبل يومين من سقوط بغداد مقالة «جريمة بريطانيا العظمى»، وبعدها «لماذا الحرب المجرمة على العراق؟»، ثم «جريمة كبرى ضد الإنسانية»، وبعدها أول مقالة عن العراقيين القادمين على متن دبابات الاحتلال: «مغتربون عراقيون يسرقون بلدهم مرتين»، و«هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب على العراق؟». والآن أعرف أن المقالات مضمخة بدماء سبعة آلاف عراقي قُتلوا خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الغزو، أي بمعدل 320 قتيلاً يومياً منذ بداية الغزو حتى سقوط بغداد. ذكرت هذه الأرقام «منظمة إحصاء الجثث العراقية»، وهي الجهة الوحيدة التي تعهدت بإحصاء عدد الضحايا عندما أعلن قائد الغزو الأميركي: «نحن لا نحصي الجثث»! واستهلت المنظمة تقريرها بالعبارة التالية: «هذا النزاع لم يصبح تاريخاً بعد، بل لا يزال متمترساً ومتشعباً في بداية واضحة، لكن من دون نهاية منظورة، وهو جزء كبير جداً من الحاضر في العراق. حيث يواصل العنف المسلح في مناطق رئيسية من البلد القضاء دون رحمة على حياة الناس، شباباً وشيوخاً، ذكوراً وإناثاً». وذكر التقرير أن عدد ضحايا المدنيين العراقيين خلال عشر سنوات من 20 مارس 2003 وحتى 14 مارس 2013 تجاوز 20 ألفاً، وعند حساب ما كشفته وثائق «ويكيليكس» يبلغ عدد قتلى العراقيين 174 ألفاً. هذه الأرقام لم تُذكر في برنامج الـ«بي بي سي» لأن مقدمه رامي رحيم لاحظ ضعف الحاضرين في حساب الأرقام عندما اختبرهم بالسؤال: «ثلاثة زائد خمسة يساوي كم؟»، فأجابت النائبة عن «القائمة العراقية»، ميسون الدملوجي، «ثمانية»، وتعالى صوت الحضور: «أستاذ رامي أعطيها فرصة ثانية»! هذه نكتة طبعاً، والدملوجي مهندسة معمارية خريجة كلية العمارة البريطانية التي تخرجت منها زهاء حديد، ولابد أنها قرأت تقرير «معهد طومسن للدراسات الدولية» الذي صدر أخيراً، وفيه أن حرب العراق كلفت أكثر من تريليوني دولار. وتوقع التقرير الذي شارك في إعداده ثلاثون أكاديمياً، أن يصبح المبلغ عند إضافة تعويضات المحاربين الأميركيين 6 تريليونات دولار خلال العقود الأربعة القادمة، وأضعاف ذلك عند حساب فوائد المبالغ. وكان يمكن أن يُطرح السؤال حول تعويض قتلى وجرحى العراقيين لولا أن مواطنة من كركوك اسمها «تغريد حسن» ذكرت أن الاتفاق لم يتم بعد على ما إذا «كان 2003 عام احتلال أم عام تحرير»، أي أن العراقيين مهددون بدفع 6 تريليونات دولار للأميركيين عن نفقات تحريرهم! وهذه ليست نكتة، بل اقتراح طرحته المتحدثة السابقة عن الحزب الجمهوري بالكونجرس الأميركي. حيدر العبادي، النائب عن «التحالف الوطني»، ساهم بالتنكيت في برنامج «ساعة حساب من العراق»، عندما أعلن الموافقة بحرارة على ما نقضه بحرارة أيضاً، وذلك ما بين بداية فقرة من كلامه وختامها. بدأ بالتأكيد على أن الفساد أخطر من الإرهاب، وانتهى بالكشف عن أن 4 في المئة فقط من تقارير «هيئة النزاهة» أثبت القضاءُ صحتها. وإذا احتاجت النزاهة إلى من يثبت نزاهتها، واحتاج القضاء إلى من يقضي له، فبماذا سيقاضي العراقيون؟ قد يجيب على السؤال العبادي، وكان الوحيد الذي أجابني من بين مسؤولين عراقيين وجهت لهم رسائل مفتوحة بعد الغزو. استشهدتُ في رسالتي إليه عندما كان وزير الاتصالات، بحكمة من كتاب «أليس في بلاد العجائب»، تقول: «الذاكرة الضعيفة تعمل إلى الوراء فقط». وقلتُ إن الذاكرة العراقية بعد الاحتلال تعمل في جميع الاتجاهات، وأن مهندسي المعلومات والإنترنت العراقيين جمعوا ملفات عن جرائم الحرب والاحتلال، بينها ملف فضائح الاتصالات تضمّن اعتراف العبادي لمراسل صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» في بغداد بفضيحة منح مقاولة الهاتف النقال إلى أعوان الجلبي والبرزاني. وأرجو أن يوضح العبادي -إذا أجابني هذه المرة أيضاً- كيف حافظ جميع رموز الفساد والاحتلال على السلطة الكاملة، بينما تلاحقُ التحقيقات زعماء واشنطن ولندن المسؤولين عن الغزو، بمن فيهم بوش، وبلير، ورامسفيلد، وولفوفيتز، وباتريوس، وبريمر. هذه هي النكتة والباقي ضحك على ذقون العراقيين. وقبل انتهاء العام الأول من احتلال العراق، تورطتُ بذكر نكتة مُكلفة في مقالة بمناسبة الإعلان عن «أكاديمية العلوم العراقية»، تساءلت فيها: لماذا تؤسس في لندن، عاصمة البلد الذي يحتل العراق؟ ولِمَ الغلبة المطلقة في قيادة الأكاديمية لطائفة واحدة، والغياب الكلي للأكراد والنساء والتكنولوجيا؟ وكانت النكتة عن عسكري أميركي لاحظ امتناع أفراد البوليس العراقي في حي الصدر ببغداد عن ضرب أسير صرخ: دخيل العباس! سأل الأميركي عن سبب توقفهم، وأوضح أفراد البوليس أن الأسير استنجد بالإمام العباس، ولا يحلّ ضربه. بعد أيام وقع العسكري الأميركي في أسر سكان الفلوجة، وفكرَ أن أفضل طريقة للنجاة الاستنجاد بالإمام العباس، وأخذ يصرخ: دخيل العباس دخيل العباس. فانهال عليه سكان الفلوجة بالضرب وهم يهللون: «طائفي أميركي»! قضت المقالة على علاقة طيبة مع حسين الشهرستاني، رئيس الأكاديمية التي لم ينجح في إنشائها، إلا أنه عُوِّض عنها بمنصب نائب رئيس الوزراء لشؤون النفط، وراحت علينا! «ساعة حساب من العراق» ساعة نكات من العراق... وماذا غير نكات العراقيين على الطائفية ينقذهم من الطائفية! والنكات، كما يقول الكاتب الأميركي الساخر مارك توين، «لا تخرج من قلب خال بل من قلب ملآن». وملء قلوب العراقيين استغاثات قتلى كان يمكن إنقاذهم لو قال الزعماء الروحيون «جميع العراقيين أهل البيت». أما تحطمت القلوب بما يكفي خلال عشر سنوات من صمت القتل كي نقول هذه الكلمات الأربع بلسان حر طليق؟ إذا كان هذا السؤال نكتة، فلنقلها أو ينفجر القلب.