شكل القطاع العقاري في دول مجلس التعاون الخليجي وعلى الدوام مكوناً رئيسياً من مكونات الاقتصادات المحلية، حيث يمثل في الوقت الحاضر ما نسبته 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس في المتوسط، كما أنه يمثل نقطة جذب قوية لاستثمارات القطاع الخاص المرتبط تاريخياً بالقطاعات التقليدية، كالتجارة والعقار. لقد شهد القطاع العقاري طفرة نوعية في سنوات العقد الماضي ساهمت في تحول المدن الخليجية إلى مدن حديثة بمواصفات عالمية للخدمات وأساليب الحياة ونوعية السكن والمرافق العامة، مما أدى إلى استقطاب رؤوس أموال محلية وأجنبية كبيرة، وبالأخص بعد أن سمحت بعض دول المجلس للأجانب المقيمين وغير المقيمين بامتلاك الوحدات العقارية، وذلك بعد سنوات طويلة من اقتصار هذه الملكيات على المواطنين الخليجيين، ما أدى إلى إنشاء مدن جديدة يختلف نمط الحياة فيها تماماً عن نمط الحياة الذي ساد المدن الخليجية لسنوات عديدة بعد اكتشاف النفط. ومما زاد في سرعة الاستثمارات العقارية وبروز مبان ومحال تجارية نوعية تأسيس شركات عقارية مساهمة عامة مدرجة في أسواق المال المحلية، وبالتالي استقطاب مدخرات المستثمرين الصغار من المواطنين والمقيمين ورفد هذا القطاع باستثمارات ضخمة زادت من وتيرة نموه، وبالأخص في دولتي الإمارات وقطر. ونظراً لهذه الأهمية المتزايدة، حيث يتوقع أن ينمو القطاع العقاري بوتائر سريعة في السنوات القادمة، وذلك كنتيجة طبيعية للارتفاع الكبير في أعداد السكان، بمن فيهم القادمون الجدد من الخارج، فإن البنية التشريعية والقانونية للقطاع العقاري بحاجة ماسة للتطوير لتتناسب وسرعة نمو هذا القطاع الحيوي. وإذا ما أخذنا رسوم الخدمات العقارية، فإننا سنجد غياب الأنظمة التي تسير عملية فرض هذه الرسوم، إذ إن كل شركة عقارية تفرض ما يناسبها من رسوم لزيادة عائداتها، بغض النظر عن قيمة العقار أو عائده السنوي على المستثمر أو مستوى الخدمات التي تقدمها الشركة المعنية، مما أوجد تفاوتاً كبيراً بين مستويات هذه الرسوم، بل وأوجد تنافساً في رفع رسوم الخدمات دون مبررات تجارية أو قانونية. وفي الوقت نفسه، فإن الجهات المسؤولة عن التنظيم العقاري، إما أنها لا تعير اهتماماً لما يحصل أو أنها توافق على رفع الرسوم سنوياً وبنسب كبيرة دون دراسة كل حالة على حدة والنظر إلى النسبة العالية لهذه الرسوم، مقارنة بالعائد السنوي التي تبلغ 25 في المئة في معظم الحالات، وهي نسبة كبيرة وغير مبررة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تفننت الشركات العقارية واستنبطت رسوماً مفتعلة، كسحب خدمات الكهرباء والماء من الشركات المزودة وعملها كوسيط في تقديم هذه الخدمات مع اقتطاع مبالغ كبيرة من الملاك أو المستأجرين، في الوقت الذي لا تملك هي نفسها أية محطات للكهرباء أو المياه، علماً بأن الحصول على هذه الخدمات لا يحتاج إلى وساطتها. هذه وضعية لا يوجد لها مثيل وتعتبر طاردة للاستثمار، ما يستوجب سن الأنظمة والقوانين التي تحدد نوعية الخدمات التي تقدمها شركات التطوير العقاري وقيمة هذه الخدمات، كنسبة من العائد السنوي، على ألا يسمح لأي شركة التلاعب بهذه الأنظمة، كما هو معمول به في البلدان الأوروبية التي تفرض أنظمة ولوائح عامة تطبق على كافة الشركات المتطورة للعقارات ولا تترك الأمور لتقدير كل شركة تحاول تعظيم أرباحها على حساب المستثمر. لقد أصبح من الضرورة بمكان أن يتم سن هذه الأنظمة والقوانين للمحافظة على استقرار القطاع العقاري الحيوي وجذب الاستثمارات لتنميته، وفي نفس الوقت المحافظة على حقوق الملاك والمستثمرين الذين يفاجأون كل عام بزيادة الرسوم المفروضة أو الاستحواذ على خدمات موجودة مع زيادة قيمها بصورة مفتعلة من قبل شركات التطوير. وتقع هذه المهمة بصورة أساسية على مؤسسات التنظيم العقاري، التي عليها الأخذ بعين الاعتبار تداعيات هذه التفاوتات وعدم التنظيم ليس على القطاع العقاري فحسب، وإنما على مجمل الأوضاع الاقتصادية، مما يتطلب تنظيمه بصورة أفضل وتكون لها انعكاسات إيجابية على بقية القطاعات المرتبطة به.