استوقفتني صورةٌ صحفية نُشرت في الصحافة العربية لفتاة يمنية تحمل لافتة تقول: «مش بالسلاح نبني البلاد»، خلال مظاهرة للاحتفال بيوم 8 مارس في صنعاء، وتدعو إلى الحل السلمي في اليمن. ولتلك الصورة أكثر من معنى فيما يختص بفترة ما بعد الثورات العربية. - المعنى الأول: أن بعض الثورات قامت دون أن تكون لها أجندات أو حتى خريطة طريق للمستقبل! وكان الهمّ الأكبر للجماهير التي خرجت إلى الشوارع والميادين هو «إسقاط النظام» فقط! وكان ذلك من أهم الأخطاء التي اعتورت الثورات العربية، والتي لم تستطع الخروج منها حتى اللحظة. ولذلك لم يكن صعباً على بعض الفئات «سرقة» الثورات أو تدجينها أو توجيهها نحو وجهات ما كانت تأملها جماهير الثورات. وقد لاحظنا أن كل مواطن في تلك البلدان أصبح ثائراً وله الحق أن يفترش الشارع ويدير المرور ويغلق المنافذ وكأنه الزعيم الجديد! ناهيك عن تطرف البعض حسب ثقافته أو حتى عقده النفسية، ليحكم الشارع في ظل غياب دور السلطة التي ورثت تركة كبيرة لا يمكن التعامل معها في أيام أو شهور قليلة. - المعنى الثاني: هو ثقافة العنف، وسقوط الثورات في يد الفوضى أو الفوضويين الذين صادف أن السلاح متوافر بين أيديهم، في بعض البلدان التي حصلت فيها تلك الثورات. وهذا حاد بتلك الثورات عن نُبل مقاصدها وأدخلها مدارات الانتقام أو التشفي من أي مُعارض أو حتى رمز من رموز الحكم السابق وإن كانوا لم تتلطخ أيديهم بدماء الجماهير. فثقافة العنف -التي كان الديكتاتور السابق يقمعها بالحديد والنار- وجَدت في زوال ذلك الديكتاتور فرصة للانفلات لتكون وفق منطق «عليَّ وعلى أعدائي»! وهذا اتجاه خطير أبعدَ تلك الثورات عن لغة العقل، وعن التركيز على بناء الأوطان المُمزقة، وأصاب الحياة في مقتل بعد أن انهارت الدولة. وكانت ثقافة العنف مستترة على أيدي جلاوزة النظام القديم وأجهزته المتعددة. وكانت تقسو وتظلم وتُبيد دونما مراعاة للقيم الإنسانية وحقوق الناس الذين كان دوماً يُنظر إليهم على أن ما ترتضيه لهم تلك الأنظمة هو الصواب، حتى وإن كان خطأ! وأن التهديد والوعيد خير وسيلة لقيادة تلك «القطعان» التي تُجر إلى المسلخ أو «يُهشُ» عليها بالعصا الغليظة كي تُطأطئ الرأس. وثقافة العنف تولّد ثقافة مثلها، وتلك حتمية واضحة بدأت في العراق أولاً «جنة الديمقراطية التي وعد بها الأميركيون الشعبَ العراقي»؛ ثم انتقلت إلى بلدان الثورات بمستويات مختلفة، ولكنها لم تكن لتختلف في المضمون كونها ضد ثقافة البناء وإعادة الاعتبار للأوطان المخطوفة. - المعنى الثالث: وجود الفرص السانحة لأي طرف لأن يعبر عما بداخله -ولو بالعنف أو فرض الأمر الواقع- طالما أن يد السلطة مغلولة، أو أن السلطة قد جاءت عن طريق المظاهرات أو اختطفت الثورات من أهلها الحقيقيين. وهذه الفرص تجعل من الضعفاء أبطالاً ومن المهربين والحشاشين ثوريين يطالبون ببناء أوطانهم حسب «شريعتهم»، لأن ذلك من حقهم كما هو حق لأي طرف آخر. وهذه الفرص أيضاً تجعل العقلاء -في بعض الظروف- ينتظرون ما ستسفر عنه الأحداث المتلاحقة، كي يرتبوا صفوفهم ويقتربوا من «الكعكة» التي ربما قضمها الخصوم غير العقلاء. وهذه الفرص تعرقل نمو أي نظام بعد الثورة. وتفتح الباب على مصراعيه لتداعيات لا يمكن حصرها، لإحراج النظام وكشف ضعفه والمطالبة بإسقاطه. ونحن نعتقد أن هذه الفرص لا تهيئ المناخ الملائم لأي نظام جاء بعد ثلاثين أو أربعين عاماً من عهود الديكتاتورية والسلطوية، لإعادة التوازن، والتقليل من تغوّل السلطة على الدولة ومؤسساتها. - المعنى الرابع: تكريس مبدأ القوة! ذلك أن الثقافة السياسية في بعض البلدان العربية درجت على أساليب القمع والقهر عن طريق القوة. الأمر الذي يُبعد الأساليب الحضارية الأخرى في التعامل مع الثورات -كما حصل في أوروبا وغيرها من بلدان العالم- ويجعل القوة هي الفيصل الوحيد في المعادلة السياسية. وهذا يجعل الضعفاء أكثر ضعفاً والأقوياء أكثر قوة، وخصوصاً إذا ما اعتمدت الجموع على النصرة العشائرية أو الإثنية، وتجاهل الأوطان الجريحة ورهنها بيد المجهول. ومبدأ القوة مبدأ ضعيف لا يدوم. وهو لا يؤسس لدولة حديثة ورشيدة، ويوّلد أجيالاً من المنتقمين الناقمين على النظام الساعين نحو زعزعته وإقصائه، طالما أن الدستور أو القانون كفل حرية التظاهر والتعبير. والدول التي تقوم على القوة فقط تفقد ولاء مواطنيها وانصياعهم للقوانين والإرشادات، بل وقد تفاجأ بأنهم يفجرونها من الداخل. ولذلك فإن ما حملته الفتاة اليمنية في تلك المظاهرة تعبير صادق، ودعوة إلى بناء البلاد عن طريق الحوار لا السلاح.