الذهول والاستغراب، اللذان بديا على كثير من المتهمين في قضية التنظيم السري في جلسة يوم الاثنين الماضي أثناء إدلاء الشهود بشهاداتهم، يطرح كثيراً من التساؤلات حول طبيعة هذا التنظيم ودور أولئك الأشخاص فيه ومدى تورطهم، فإما أنهم فعلاً لم يكونوا يدركون أنهم يعملون ضمن تنظيم بهذا الحجم- وهذا ما يستبعده البعض- أو أن لديهم قدرة كبيرة على التمثيل ومحاولة إنكار ما هو مثبت عليهم -وهذا ما يستبعده البعض الآخر- خصوصاً بعد ما أبداه أغلب الشهود من ثقة أثناء الإدلاء بأقوالهم وعرضهم الأدلة وتأكيدهم أن رصد هذه المجموعة تم منذ عام 2010 والمعلومات التي تم جمعها تعود لتلك الفترة. أما الأدلة والتحقيقات، فقد كشفت معلومات تعود إلى سنوات سابقة لبداية عملية الرصد، والواضح أن تلك الشهادات أسقطت أقنعة كثيرة كانت لا تزال باقية. في جلسة يوم الاثنين الماضي، شهدنا تناقضات هذا "التنظيم"، ويبدو أن هناك أشياء كثيرة لا نراها ولا نعرفها عن علاقة أفراد تلك المجموعة ببعضهم البعض، خصوصاً أنه يبدو واضحاً أن بعضهم اعترف على البعض الآخر، وممن تم الاعتراف عليهم رجال وسيدات تركوا التنظيم منذ سنوات.. فلماذا تم الاعتراف عليهم وتوريطهم في القضية وجرهم للمحاكمة؟!.. وهذا ما أدى ببعض المتهمين للمطالبة بحمايتهم من أفراد التنظيم بشكل علني، وبعضهم طلب ذلك أثناء التحقيقات، ويبدو أن هناك من لا يزال متردداً في ذلك، خصوصا أولئك الذين يرون أنفسهم يدفعون ثمن خطأ وأخطاء لم يرتكبوها، أو على الأقل، وقعوا فيها دون أن يدركوا حقيقة وهدف ما يفعلون! في الجلسة الرابعة على التوالي نجحت المحكمة في المحافظة على شفافيتها وعدالتها في التعامل مع المتهمين، وهذا ليس بتقديرنا فقط، وإنما جاء ذلك من خلال اعتراف أحد المتهمين الرئيسيين في القضية، أثناء الجلسة عندما قال إنهم في قاعة المحكمة يشعرون بالأمان، وبأن حقوقهم مصونة، ولا غبار على محاكمتهم، ولكنه طالب بألا يكون الوضع مختلفاً عندما يخرجون من قاعة المحكمة. وهذه نقطة تحسب للمحكمة ورئيسها الذي يتسم بسعة الصدر، وطول البال مع المتهمين والمحامين وحتى مع بعض الحضور. شهود الإثبات الثلاثة "أقسموا بالله العظيم أن يقولوا الحق كل الحق ولا شيء غير الحق"، فأدلوا بمعلومات خطيرة تستحق الوقوف عليها، خصوصا أن المتهمين لم يردوا عليها، أو يقوموا بنفيها ومنها الاجتماعات الثلاثة التي تمت خلال عام 2011 في أم القيوين ورأس الخيمة وخورفكان من أجل التخطيط للقيام بأعمال تضر بالبلاد.. وذكر الشاهد أسماء من حضروا تلك الاجتماعات وبعض ما دار فيها من كلام. من الأمور التي تكلم فيها أحد الشهود هي الأموال والعقارات والشركات التي يديرها التنظيم وكذلك الاشتراكات التي يدفعها أعضاء التنظيم والتي تتراوح بين 5 و7 في المئة من الراتب الشهري حسب دخل كل فرد.. وهذه الأموال حسب الشهود تذهب إلى التنظيم مباشرة! ولم نسمع رداً على هذا الكلام من المتهمين، ولم يقف أحد لينكره أمام القاضي. محامي المتهمين قال في معرض دفاعه عنهم إن التنظيم أو ما يسمى بـ"دعوة الإصلاح" كل ما يملكه هو مليونان ونصف المليون درهم، وهو حاول أن يزيل عن المتهمين شبهة امتلاك الأموال والعقارات والشركات! ما يعني أن هناك تنظيماً متكاملاً، يمتلك موارد مالية، وهذا ما أكد عليه أحد الشهود عندما ذكر اسم رئيس اللجنة المالية في التنظيم والأدلة التي بين يديه والتي تؤكد ذلك. وعندما سُئل أحد الشهود إنْ كان يعتقد أن جميع المتهمين على علم بالتفاصيل المالية للتنظيم؟ أجاب بالنفي قائلاً: لا.. ما يعني أن كثيرين في التنظيم لا يعرفون عن الأنشطة المالية للتنظيم، والتي كان يديرها عدد محدود من أفراده، لذا كان واضحاً أن مواجهة الشاهد المتهمين بالأدلة والأرقام كان مفاجئاً للبعض. وحسب الشهود، فإن استثمارات التنظيم كانت في الشركات العقارية والاستثمارية، كما أنها كانت في العقارات، وكذلك من خلال استخدام بعض الواجهات العامة كمراكز التدريب والتطوير والأنشطة الاجتماعية المختلفة، التي هي أصلاً مسجلة بأسماء أفراد، إلا أنها تدار من خلال ولصالح التنظيم -حسب الشهود- واللافت أن أحد المتهمين أنكر امتلاكه أحد تلك المراكز، في حين أكد الشاهد أن الأوراق الرسمية والسجل التجاري، تؤكد أنه صاحب رخصة ذلك المركز! فقد المتهمون في الجلسة الثالثة كثيراً من هدوئهم، وكان التوتر بادياً من خلال تصرفاتهم، التي حاولوا أن يبينوا أنهم لا يزالون متماسكين، وفي المحكمة أخذ المتهمون الحماس قبل بدء الجلسة، فصاح أحدهم يردد وينشد إحدى الأناشيد الجهادية التي تجدها بسهولة على "اليوتيوب" وهي "بلادي بلادي اسلمي وانعمي سأرويك حين الظما من دمي......." فتفاعل أغلب المتهمين إن لم يكن جميعهم معه، ورددوا النشيد كاملاً بصوت واحد ونفس واحد، وما أن انتهوا من نشيدهم حتى رددوا مكبرين ثلاث مرات انتشاء بهذا النشيد... وبعد دقائق قليلة خرج منشدهم من جديد متداركاً ليردد النشيد الوطني للإمارات "عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا....." وكم كان الفرق واضحاً في حماس المتهمين لنشيد بلدهم ونشيد الجماعة، فلم يردد غير عدد محدود من المتهمين النشيد الوطني وبصوت متقطع، أما الحماس، فقد ذهب كله مع النشيد الأول! ولا تعليق. يبدو أن المتهمين حتى الجلسة الأخيرة غير قادرين على استيعاب صعوبة الوضع الذي هم فيه وغير مقدرين لحجم الضرر الذي ارتكبوه، وللعقوبة التي ستنال من يثبت عليه التهم. وهذا يتطلب منهم العمل مع محاميهم بشكل أكبر من أجل الخروج من هذه القضية، ومن أغرب ما اقترفه المتهمون في حق أنفسهم أن أغلبهم (أكثر من 70 متهماً تقريباً) وكّلوا محامياً واحداً للدفاع عنهم، ثم جاؤوا يشتكون من عدم تمكنهم لقاء محاميهم، فكيف سيتمكن محام واحد أو اثنان أو حتى ثلاثة من الالتقاء بعشرات الموكلين خلال أقل من أسبوع التي هي المدة بين الجلسة والتي تليها؟ وهذا القرار يؤكد من جديد أن أفراد هذا التنظيم مجموعة واحدة تسير خلف قائد واحد، ولديها هدف واحد. فعندما اختار رئيسهم ذلك المحامي ساروا وراءه جميعاً، فأصبحوا جميعاً يتشاركون في التهمة، ويتشاركون في مصيرهم في هذه القضية... من المشاهد اللافتة في هذه الجلسة أنه بعد مرافعة محامي المتهمين، التي يبدو أنها لم تكن مقنعة للموكلين، قام أحد المتهمين قائلًا إنه سيرفع توكيله عن المحامي وسيدافع عن نفسه... تفاصيل كثيرة شهدتها جلسة الاستماع لشهود الإثبات، وستتواصل تلك الشهادات خلال الأسبوع المقبل. الكلام كثير، والشهادات متنوعة والدفاع متنوع. أما المشهد العام في قاعة المحكمة، فيدعو إلى كثير من التساؤلات حول أولئك الرجال والنساء الذين بعضهم قد يكتشف نفسه من جديد، ومنهم ربما يعرف لأول مرة حقائق لم يكن يدركها ويكتشف أنه متورط في أمر لم يكن يدركه! محمد الحمادي كاتب وصحفي - الإمارات