نتائج انتخابات نقابة الصحفيين في مصر، بداية هذا الأسبوع، ونتائج انتخابات اتحادات طلبة الجامعات المصرية التي كانت «معقلاً إخوانياً» تاريخياً، وكذلك انتخابات اختيار مفتي مصر، جميعها أعطت مؤشراً ملموساً بشأن مكانة «الإخوان المسلمين» لدى الشعوب. تلك النتائج مبعث ارتياح لكثيرين يدركون رغبة «الإخوان» في فرض سيطرتهم على مؤسسات المجتمع المدني عموماً، والطلبة تحديداً، بما يتسمون به من حيوية واندفاع وبراءة وقابلية للتأثر، وتاريخ «الإخوان» حافل بمحاولات السيطرة عليهم. وهي مبعث ارتياح كذلك لأن سيطرة «الإخوان» على «السلطة الرابعة» في المجتمع لم تتحقق، وكذلك السلطة الدينية، سواء في منصب الإفتاء المؤسسة الدينية العريقة. قد يكون الحدث وما يترتب عليه من نتائج مرتبطيْن بالحالة المصرية، لكن يمكننا افتراض أن الأمر يمكن القياس عليه في باقي الدول العربية بالنظر إلى عوامل عدة، فمصر هي مركز سيطرة «الإخوان» والمرجعية الأساسية فيها، ومنها تُدار شؤون الفروع الأخرى لـ«الجماعة»، ومجرد هزيمتهم في مصر تعني أن دورهم وتأثير أتباعهم سيتراجع. وبالتالي فإن تجربة الانتخابات تلك لو طبِّقت في باقي الدول العربية، فلن تختلف كثيراً عما أسفرت عنه في مصر. ولعل ذلك يوضح أن المكانة الحقيقية لـ«الإخوان المسلمين» لدى الشعوب ليست على النحو الذي كان يُعتقد من قبل، أو على النحو الذي تمخضت عنه نتائج الانتخابات في مصر أو ليبيا أو تونس. لقد استثمر «الإخوان» مواجهة الأجهزة الأمنية لهم في خداع الشعوب من منطلقين اثنين: المنطلق الأول؛ أنهم «دعاة» دين وقيم، وبالتالي فهم مستهدفون من تلك الأجهزة. والمنطلق الثاني؛ هو استغلال عفوية الشعوب وحبها للدين الإسلامي كمدخل لأجندة سياسية تخريبية للأوطان. عفوية التدين هي الأصل لدى كل الشعوب العربية، وربما كان هذا العامل سبباً لحالة الالتئام الشعبي الحالي ضدهم، وما يحدث الآن في المجتمعات العربية من رفض للجماعة هو نتيجة إدخال السياسة في الدين من جانب «الإخوان المسلمين» لشق اللحمة الوطنية وإثارة الفتن وإقصاء الآخرين، وهو ما ألحق الأذى بصورة الدين نفسه. وبالتالي فإن الشعوب عندما وجدت من يحاول المساس بنقاء دينها ومجتمعها، تحركت في ردة فعل عنيفة للتعبير عن رفضها لما تفعله جماعات «مؤدلجة». الرهان دائماً في سحب البساط من تحت أقدام «الإخوان المسلمين» يكون على الشعوب، وهذا ما فعلته كل الدول العربية عندما كشفت حقيقة «الإخوان» الذين يستغلون الدين باعتباره وسيلة أو مطية للوصول إلى السلطة، وليس لخدمة الشعوب كما يزعمون. لم يكن وصول «الإخوان المسلمين» إلى السلطة في دول عربية مؤشراً لمدى قبول الشعوب لهم، فالحقيقة أن وزنهم على الأرض أقل من ذلك بكثير، وهو ما فضحه اختطافهم للحراك العربي، إذ بدأ حجمهم الحقيقي يتضح يوماً بعد يوم، وبدأت الخلافات على «الغنائم» بين أعضاء الجماعة تفصح عن نفسها. وكتاب «من داخل الإخوان المسلمين» الذي ألفه يوسف ندا، أحد قادة الجماعة، يؤكد ذلك. كانت السيطرة على جمعيات المجتمع المدني ومؤسساته هدفاً تاريخياً لدى «الإخوان المسلمين»، باعتبار أن قوة المجتمعات الحقيقية تتمثل فيها بحكم ملامستها المباشرة للمجتمع، وتعبيرها عن مصالح فئات شتى فيه. ويحفل تاريخ «الإخوان» في الدول العربية بمحاولات التسلل الهادئ إلى جمعيات المجتمع المدني تحت شعارات خادعة. وفي دول الخليج العربي كانت جمعيات الكشافة واتحادات الطلبة تكاد تكون حكراً على أعضاء الجماعة، وحتى جمعية الحقوقيين في دولة الإمارات كانت تُدار من قبلهم، ويكاد ذلك ينطبق على كل الدول العربية. وخسارة «الإخوان المسلمين» الأخيرة للمواقع التي عملوا على احتلالها، واعتبروها المفاصل الحقيقية لإدارة المجتمعات، أمر لابد أن يلفت نظر المراقبين، خاصة أن الجماعة مارست الاستئثار وإقصاء الآخرين من هذه الجمعيات في مصر وجعلتها أذرعاً لها، وهو السلوك الذي استنسخته الفروع الأخرى في كل الدول العربية. الوعي الشعبي في الدول العربية هو ما قاد الشعوب إلى تغيير مواقفها تجاه «الإخوان» بعدما أثبتت سلوكياتهم أنهم دعاة فوضى وتخريب. وقد كشفت تفاصيل محاكمة الأسبوع الماضي في أبوظبي عن «مناورات» المتهمين من أجل «ليّ الحقيقة» من خلال مطالب تقدَّموا بها إلى القاضي الذي كان منتبهاً إلى استعراضاتهم الإعلامية. فقد شكا أحدهم من أن حسابه في البنك وحسابات عائلته مغلقة بأمر الأمن، وعندما واجهه القاضي بالحقيقة غيَّر أقواله. وعندما طالب بعض المتهمين بعدم نشر تفاصيل المحاكمة، فإن ذلك لم يكن سوى خوف من كشف الحقيقة أمام الشعوب لا أكثر. هزيمة «الإخوان» في هذه الانتخابات، وموقف طلبة كلية الطب في تونس الذين عبروا بطريقتهم (الغناء) عن رفضهم هيمنة تيارات الإسلام السياسي، وكذلك نبذ المجتمعات الخليجية لتسييس الدين، كلها مواقف تعيد إلى أذهاننا أن قوة الشعوب هي الأقدر على رفض أي شيء دخيل، باعتبار أن الفطرة السليمة ترفضه. وفكر جماعة «الإخوان»، باعتبارها تياراً سياسياً في حقيقته يستخدم الدين لخداع الناس، ترفضه الفطرة السليمة. وقد لعبت التوعية الإعلامية بحقيقة الجماعة، واستضافة شخصيات كانت من بين أعضائها قبل أن تكتشف حقيقتها وتنشق عنها، دوراً مهماً في إظهار حقائق كانت غائبة عن الشعوب العربية. لقد نجحت الجماعة لفترة في اختطاف المجتمع، بل وفي اختطاف ثورات الشعوب، لا لأنها أقدر على الحكم أو لأنها أكثر إقناعاً، بل لأنها كانت أكثر تنظيماً، ولم تجد منافساً فعلياً على الساحة السياسية. أما الآن، وبعد وضع «الإخوان» على المحك، فقد صار من السهل هزيمتهم، بعد أن اتضح أنهم لا يملكون برنامجاً سياسياً يخدم الوطن. جماعات المتاجرة بالدين لا تعيش ولا تزدهر إلا في مناخ من الفوضى، لذا تسعى إلى خلق المناخ الملائم لها بزعزعة الاستقرار. وأجزم بأن الشارع العربي كله يدرك الآن أن «الإخوان» ليسوا الطرف المناسب لتولي شؤونه، وستعود الجماعة إلى حجمها الحقيقي الذي ثبت أنه أدنى بكثير من إدارة الدول.