اختيار «بابا» من أميركا اللاتينية... واستمرار نزيف الأزمة السورية دلالة اختيار بابا جديد من أميركا اللاتينية، وتركة تشافيز الصعبة في فنزويلا، ومرور عامين على اندلاع الثورة السورية، ثلاثة موضوعات دولية استقطبت اهتمام كتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية. بابا من الجنوب نشرت صحيفة لوموند افتتاحية بعنوان «بابا من الجنوب، علامة عهد جديد»، قالت في مستهلها إن هذه هي أول مرة في التاريخ يقع فيها اختيار الكنيسة الكاثوليكية على بابا منحدر من دول الجنوب. فالبابا الجديد، الذي سيحمل اسم فرانسيس الأول، هو الأرجنتيني خورخي ماريو برجوجليو، وكان كاردينال العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس. والآن مع مطلع القرن الحادي والعشرين، لاشك أن هذا الاختيار شديد الرمزية، وخاصة في ضوء انسجامه مع ما يشهده عالم اليوم من تحولات قوة وتأثير متسارعة، على المسرح الدولي، مما يفرض على الكنيسة اجتراح تغييرات وتحولات واسعة، وحقيقية، على مستواها هي أيضاً. ودون شك أن رجال الدين الذين وقع اختيارهم على فرانسيس الأول لكي يخلف البابا السابق المستقيل، كانوا يعون حجم التحول الذي يتعين عليهم إحداثه في تقاليد مؤسستهم الدينية. وهذا ما اقتضى منهم أن يضعوا في الاعتبار حجم وجود الكاثوليكية في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وضرورة التكيف مع متطلبات عصر العولمة، وفهم ما يتسم به من خصوصيات وضرورات انفتاح وتجديد. وذهبت الصحيفة إلى أن اتساع وجود الكاثوليكية في القارة الأميركية الجنوبية لعب أيضاً دوراً في ترجيح كفة البابا الجديد، حيث إن أربعة من كل عشرة كاثوليك في العالم هم من أميركا اللاتينية، التي يزيد عدد أتباع تلك الطائفة فيها على 200 مليون شخص، وهي في ذلك تتفوق على أوروبا القديمة. ومن هنا فإن التغيير كان تاريخياً، وكان واقعياً أيضاً. ولئن كان منصب البابوبة لم يصله منذ ألف عام أي رجل دين غير أوروبي، إلا أن هذا الاستثناء قد انتهى الآن، وانتهت معه المركزية الأوروبية كذلك. وهنا لا تخلو المسألة أيضاً من دلالة سياسية معبرة عن عصرنا الحاضر، حيث إن البابا الألماني المنصرف، ترك مكانه لبابا من العالم «البازغ»، أي من تلك الدول التي بدأت تتصدر المشهد الدولي الآن، ضمن قصة صعود، تسحب مع مرور الوقت الصدارة في النفوذ والتأثير من قوى العالم الغربي التقليدية. وتذكر الصحيفة أن البابا الجديد، خورخي ماريو برجوجليو، 76 عاماً، معروف من سيرته الذاتية، أنه رجل ذو اهتمام خاص بالمسائل الاجتماعية. وهو ينحدر في الأصل من أسرة مهاجرين إيطاليين. ويعرف عنه اهتمامه بالشرائح الشعبية الأكثر فقراً وسكان أحياء الصفيح ونزلاء السجون. ولاشك أن التحديات التي تنتظر هذا البابا رقم 266، كبيرة وكثيرة، على رأس كنيسة كاثوليكية تعصف بها التجاذبات، والاتهامات بالفساد والفضائح الجنسية. وقبل هذا ما تواجهه من تغول للعلمانية بشكل متفاقم في المجتمعات الغربية وفي الوقت نفسه انتشار التيار الإنجيلي في دول الجنوب، على حساب الكاثوليكية. وعلى العموم، تقول صحيفة لوموند، فإن أقل ما يمكن قوله عن هذا التحول الجذري هو أن الفاتيكان ينفتح، في بعض لحظات التحدي الصعبة، على آفاق جديدة. وفي سنة 1978 قال البابا البولندي يوحنا بولس الثاني: «اخلعوا عنكم رداء الخوف»، وكانت تلك صرخة ترددت أصداؤها في كافة دول أوروبا الشرقية، على رغم جدار الرعب الذي كانت شعوب تلك المنطقة ترزح خلفه في ذلك الوقت، تحت حكم النظم الشيوعية. ما بعد تشافيز في افتتاحية لصحيفة لوفيغارو قال الكاتب «بيير روسلين» إن الزعيم الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز اصطنع مثل كثير من ثوريي أميركا اللاتينية، نظاماً سياسياً هجيناً، فيه ملامح من اليسار الأكثر مثالية وملامح أخرى من ممارسات النظم الديكتاتورية. ولاشك أن مراسم تشييع جنازة «الكوماندانتي» البوليفاري قد ذرف خلالها كثير من الدموع. وقد تكون مشاركة الشرائح الأكثر حرماناً في المأتم، أمراً قابلا للفهم، إضافة إلى مشاعر الإخلاص شبه الديني، التي يبديها أنصار تشافيز تجاهه. فخلال أربع عشرة سنة وضع كل إمكانيات بلاده في خدمة ترسيخ صورته وشعبيته الشخصية، وجعل الفنزويليين يتلقون دفقاً من الدعاية الإيديولوجية بعد أن وضع يده على جل، إن لم يكن كل وسائل الاتصال والإعلام، مما سمح له في النهاية بترسيخ نظام حكم مُشخصن، سيكون من الصعب على من سيخلفونه الفكاك من تركته الصعبة. وقد ساعدت تشافيز في سياساته عائدات ثروة نفطية هائلة، سخر جزءاً منها لمكافحة الفقر، وهذا ما يفسر ارتفاع نسب شعبيته في بلاده، كما ساعده سخاؤه مع الدول الأميركية اللاتينية الأخرى أيضاً على شراء شعبية خارجية رسخت صورته كبطل يساري قاري، مطالب بخطابية ملحوظة بوراثة تركة بوليفار، أبو الاستقلالات الأميركية- اللاتينية. كما ساعده خطابه المناهض للإمبريالية، وخاصة لسياسات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، على استمالة قادة بعض الدول الأخرى البعيدة، المصنفة أميركياً على قائمة الدول المارقة، وقد حضر بعض قادتها مراسم تشييع جثمان تشافيز. واعتبر الكاتب أن تشافيز برع في خلق الأساطير من إنجازات غير ذات شأن كبير. ولكن بعض سياساته مني بفشل ذريع أيضاً، وخاصة في المجال الاقتصادي. والمفارقة أن فنزويلا، في ضوء حجم احتياطياتها النفطية، تعتبر هي البلد الأغنى في العالم. ولكن بسبب سياسات التأميم المرتجلة والفساد، تحولت إلى بلد تنخره الجريمة، والتضخم، وندرة المواد الغذائية. وفي الأخير ذهب الكاتب إلى أن الجهل العميق بحقائق ما يجري في أميركا اللاتينية، والحنين الدفين إلى أشكال الحكم القوية ذات القبضة الحديدية، هما وحدهما ما يفسر موجة الإعجاب والانبهار التي تجتاح بعض أوساط اليسار الفرنسي تجاه تشافيز. وهنالك أيضاً في نزعة العداء للإمبريالية لدى الجانبين أكثر من مفارقة تاريخية. وقد تغذت الرومانسية الثورية طويلاً من أجواء وصراعات الحرب الباردة، وها هي الآن تسعى لتجديد نفسها ولكن بشعارات وأسماء أخرى مختلفة. الأزمة السورية لقد أصبحت سوريا بلداً مدمراً، وذا أفق شاحب وكئيب، هكذا بدأ الكاتب فرانسوا سيرجان افتتاحية لصحيفة ليبراسيون حول الأزمة السورية، مؤكداً أن هذه كانت هي الحصيلة المنتظرة بعد مرور عامين كاملين من القمع الوحشي الذي انخرط فيه نظام دمشق ضد الشعب السوري، وكانت الحصيلة الإنسانية لهذه الأزمة كارثية بكل المقاييس، حيث إن عدد القتلى بعشرات الآلاف، والمهجّرين واللاجئين بالملايين. وقد تعرض آلاف السوريين للاعتقال والتعذيب بشكل همجي، على أيدي جلادي النظام، الذين لم يستثنوا حتى الأطفال، وقد وجد كثيرون منهم مقتولين ومشوهي الجثث. وكل هذا جرى، ويجري، لأن الأسد يرى أن بقاءه في السلطة يقتضي تدمير البلد. ولذلك لم يتورع عن استخدام كل ما في جعبة جيشه من سلاح ضد المدن، وأحياء الثوار، مطلقاً القنابل الكبيرة، وصواريخ «سكود» ضد السكان المدنيين. ولكن بعد مرور سنتين من الحرب، لا تزال المعارضة لم تتمكن أيضاً من تحقيق مطالبها حتى الآن. وما زال كل واحد من معسكري الحرب متمسكاً بمواقفه وبمواقعه. ولو وقع تسليح الثوار كما تدعو إلى ذلك فرنسا وبريطانيا، فقد يسمح ذلك بإصلاح الاختلال في موازين القوى القائمة على الأرض، في مواجهة نظام تجهزه وتساعده بقوة كل من روسيا وإيران. هذا مع أنه لا شيء أيضاً يضمن انتصار معارضة منقسمة على نفسها. والأسوأ من هذا أن عامين مرا الآن منذ اندلاع أول تظاهرات سلمية ضمن ما سمي «الربيع السوري» ولا تزال مع ذلك الحلول غائبة من أجل وضع حد لهذه المجازر التي ترتكب بحق شعب بأكمله. وعلى العكس، لا يزال نزيف نزوح السوريين متواصلا بالآلاف. ومَن يبقون منهم في الداخل ينغلقون على أنفسهم، ويتسلحون في مناطقهم استعداداً للمرحلة المقبلة، التي يخشى أن تشهد المزيد من التمزق والتفكك على خطوط صدع طائفية، لا تبقي ولا تذر. إعداد: حسن ولد المختار