بعد مرور وقت قصير على انتخابات التجديد النصفي عام 2010 التي حقق فيها «الجمهوريون» مكاسب ملحوظة، قال لي سيناتور مدعوم من قبل حركة «حفل الشاي» إن أهدافه التشريعية تبدأ بتعديل دستوري يهدف لتحقيق ميزانية متوازنة لخفض الإنفاق إلى مستوى 18 في المئة من الناتج القومي الإجمالي. تساءلت فيما بيني وبين نفسي في ذلك الوقت، عن احتمال مرور تلك الفكرة- الرديئة من وجهة نظري- عبر الكونجرس. لم يكن الاحتمال كبيراً... كما اعترف لي السيناتور نفسه الذي قال لي أيضاً «وهذا هو السبب الذي يجعلنا بحاجة إلى انتخابات تؤدي نتيجتها إلى منح الفائز تفويضاً واضحاً». ما احتمال تحقق ذلك؟ ليس كبيراً كما اعترف السيناتور للمرة الثانية. وعلى الرغم من اعترافه، فإنه لم يكن لديه خطة بديلة، كما لم يكن لديه- بالتأكيد- الاستعداد للتوصل لحل وسط. تذكرت تلك المناقشة وأنا أقرأ تعليقاً في «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي، ورد في مقالة بقلم «سكوت ويلسون»، و«فيليب راكر» حول تصميم أوباما على ضمان انتخاب كونجرس يسيطر عليه «الديمقراطيون» في انتخابات التجديد النصفي القادمة عام 2014. وهذا ما أكده النائب ستيف إسرائيل(عن ولاية نيويورك)، رئيس لجنة حملة الكونجرس الانتخابية «الديمقراطية»، في تصريح صحفي قال فيه «الرئيس يدرك أنه كي يتم إنجاز أي شيء، لا بد من الحصول على أغلبية في مجلس النواب عام 2014 مع ضرورة الاستعداد لذلك اعتباراً من الآن». هل يعني ذلك أننا سنظل نعاني لعامين وربما أربعة أعوام من حالة الانسداد السياسي الحالية؟ فعندما تكون الأمة مستقطبة على النحو الذي هي عليه حالياً، يكون هناك إغراء للتأجيل المستمر لممارسة الحكم إلى ما بعد الانتخابات القادمة، أو على نحو أكثر دقة، يكون هناك ميل لاستخدام الحكومة ليس لحل المشكلات، وإنما للمناورة من أجل الحصول على موقع أفضل في الانتخابات التالية. ولعلنا نتذكر في هذا السياق التصريح الشهير لزعيم الأقلية «الجمهورية» بمجلس الشيوخ عن ولاية كنتاكي السيناتور «ميتش ماكونيل» في أكتوبر عام 2010 والذي قال فيه:«الشيء الوحيد المهم الذي نريد إنجازه هو أن يكون أوباما رئيساً لمدة واحدة فقط». في الأسبوع الماضي، عرقل أعضاء «جمهوريون» في مجلس الشيوخ تثبيت مرشح قضائي مؤهل جيداً، ما أضاف وظيفة إضافية لقائمة مرهقة من الوظائف الشاغرة في المجلس، في الوقت الذي يؤسس فيه مدير الحملات السابق لأوباما منظمة تعد بإجراء حملات انتخابية دائمة، ويلغي أوباما ذاته جولات البيت الأبيض، وهو ما يحمل نفحة من مبدأ:«كلما كان الأمر أسوأ كلما كان أفضل» القائم على عدم الممانعة في حدوث أشياء سيئة إذا كان ذلك يؤدي لتحقيق مكاسب سياسية. في الآن ذاته يسعى أوباما للتواصل مع «الجمهوريين» بحثاً عن صفقة بشأن الميزانية- الآن، وليس بعد عامين. صحيح أن ظهور الحزب بمظهر المنفتح أمام التسويات، يمكن أن يساعده في انتخابات عام 2014، إلا أن «الجمهوريين» سيشكّون بالطبع من هذا التودد المفاجئ من قبل الرئيس. ولكن هذه المقاربة تنجح على الجانبين: فالاستعداد لتحقيق الفوز عام 2014 يمكن أن يشكل ضغطاً يشجع الكونجرس اعتباراً من الآن على تحقيق تقدم في قضايا الميزانية، والهجرة، أو الأسلحة الشخصية. بمعنى آخر، هذا الأمر دائماً ما يكون معقداً؛ بل يمكننا أيضاً الذهاب لحد القول إن تصريح «ماكونيل» لم يكن صارخاً بذات القدر الذي كان يتم تذكره به. ففي المقابلة ذاتها التي أدلى فيها بذلك التصريح قال السيناتور أيضاً:« أنا لا أريد من الرئيس أن يسقط وإنما أريده أن يتغير». والمشاعر الراغبة في الانتظار حتى الجولة القادمة، تتزايد عادة عندما يقنع كل طرف نفسه بأن الطرف الآخر قد أصبح خارج التيار الرئيسي، أو يصعب العمل معه، أو بات مشوشاً. وقبل إعادة انتخابه لفترة ولاية ثانية قدم الكثير من «الجمهوريين» أوباما باعتباره راديكالياً شرساً، واشتراكياً على الطراز الأوروبي يجب العمل على إيقافه. وفي الوقت الراهن يقدم «الديمقراطيون» المعارضة على أنها متطرفة على نحو غير طبيعي، ومعارضة بشكل مرضي للتقدم. هذا « المناخ المحموم» يجب التغلب عليه، كما قال أوباما في شهر يونيو الماضي. اتفق مع من يقول إن الحزب «الجمهوري» قد تحرك بعيداً نحو اليمين، وأن هناك عدداً أكبر من اللازم من ممثليه باتوا يساوون بين المساومة والخيانة. ولكنني أعتقد أيضاً أنه سيكون من الخطأ قبول مبدأ «أنه كي يتم إنجاز الأشياء، يتعين على أوباما تأمين حصول الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسي الكونجرس». فمن ناحية نجد أن فكرة قيام «الديمقراطيين» بفرض أجندة من نوع أجندة «نانسي بيلوسي» على الأمة فكرة خيالية لحد كبير. ففي أكثر الأحوال ملائمة سيواجه «الديمقراطيون» صعوبة شديدة في انتزاع مجلس النواب بالنظر لأنماط توزيع القواعد الانتخابية في الولايات «الجمهورية»(الحمراء)، و«الديمقراطية»(الزرقاء) في طول البلاد وعرضها. وحتى إذا تم تأمين أغلبية زرقاء مريحة في مجلسي الكونجرس عام 2015، فإن الأمة ستظل في حالة استقطاب حاد، في الآن ذاته الذي سيكون الاستعداد للانتخابات الرئاسية التالية قد بدأ فيه بالفعل. فيما وراء السياسة، وفي العديد من التحديات التي تواجه الأمة، ستكون هناك حاجة للاختيار من العمود(أ) والعمود(ب) إي إلى أفكار من قبل الحزبين الرئيسيين، ذلك لأن السياسة الأكثر رشاداً ربما لا تكون دوماً في الحلول الوسط، كما يعتقد كثيرون. ما أود قوله للرئيس: هو أنك ستكون بحاجة إلى العمل من أجل تحقيق مكاسب والدخول في مساومات من أجل ذلك، أي ستكون بحاجة إلى أن تحكم. ويفضل أن تبدأ بذلك من الآن. فريد حياة كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»