سقط جدار برلين نتيجة لموجات الليبرالية الاقتصادية، وتغير العالم، وتحولت الولايات المتحدة لدولة القطب الواحد. حدث الأمر نفسه في أميركا اللاتينية في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، وتراجعت الديكتاتوريات لصالح الليبرالية الاقتصادية. وبحلول الأزمة المالية العامة نزعت أميركا اللاتينية ثوب الليبرالية الاقتصادية وتحولت إلى أنظمة «يسارية» معادية للولايات المتحدة الأميركية. وبالرغم من سرعة موجات العولمة التي هدمت الحدود واخترقت الخصوصيات، فإن المنطقة العربية صمدت في العقدين الماضيين، وخصوصاً الدول غير النفطية، التي وجدت نفسها تنكشف نتيجة لذلك أمام موجات الانفتاح ومنطق حرية السوق فخرجت لنا، طبقة جديدة اتسمت بالثراء الفاحش والسريع، وكانت هذه الطبقة تعمل في مجال السوق الاستهلاكية وليس قطاع الإنتاج كالزراعة والصناعة، وإنما في مجالات الهواتف النقالة والعقار والمصارف وأدى ذلك إلى مزيد من التهميش للقطاعات الإنتاجية، وتضاعف الألم بالنسبة للطبقة الوسطى التي وجدت نفسها تنسحق وتتراجع في قوتها الاجتماعية وتوسعت المسافات الاجتماعية بين الطبقات الدنيا، والطبقة الفاحشة في غناها. وفي ظل هذه التحولات الكبيرة تنامى الفساد وتشابكت خيوطه، مما أدى إلى تنامي حدة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وما كان من القوى الفاعلة إلا محاولة امتصاص تنامي النقمة الشعبية وخطورة توسعها في قلب موازين القوى، فحدثت ثورات «الربيع العربي»، وتغيرت معالم بعض من الدول المحورية مثل مصر، وأصبحت تحكم بحركة «الإخوان»، والحال نفسه في المغرب وتونس، وأضحى النموذج التركي المتسم بالليبرالية الإسلامية، هو المثال الذي يدفع فيه الغرب بلاد «الربيع العربي». أنظمة «الربيع العربي» الإسلامية لا تملك الحلول السحرية لمشاكل مزمنة، وليس أمامها سوى التفاهم مع الأدوات الدولية الضابطة مثل صندوق النقد الدولي وغيره، لأجل تخفيف حدة الاختناقات الاجتماعية، إلا أن هذه المعادلة لن تحل الأزمات الاجتماعية، وخصوصاً بعد أن دخلت الحركات السلفية المختلفة، المعترك السياسي، وأصبحت في ظل الديمقراطية تمارس دورها المكبوت، مما أدى إلى دخول «الإخوان» إلى تحالفات غير مرغوبة مع بعض هذه الحركات السلفية. ولما كانت الدول النفطية فاعلة من حيث قدراتها المالية، فهي اليوم جزء من التحالفات الجديدة التي تملك مساعدة النظم الجديدة وفقاً للتحالفات الدولية. عقل الحكم الديني العربي يختلف عن النموذج التركي، كما أن تركيا استطاعت أن تتجاوز عقبات اقتصادية كبيرة من خلال تفعيل قطاعات اقتصادية منتجة. أما الدول العربية المحكومة من أنظمة «إخوانية»، فهي ورثت أزمات ساحقة ودخولها في برامج المساعدات الدولية، سيضاعف إشكاليتها الشعبية، وستجد نفسها أمام استحقاقات جديدة. الدول النفطية دخلت مرحلة جديدة في ظل تغير خريطة التحالفات الدولية، وتداعيات أحداث سبتمبر ونمو الراديكالية الإسلامية، فهذه الدول مازالت تملك خيارها في تحديد مستقبل مكتظ بالمتغيرات غير المنضبطة، وهذا يعتمد على قراءتها للماضي وخريطة التحالفات الدولية. الدول النفطية لها خصوصيتها الاجتماعية المتجسدة في اعتمادها على قاعدة اجتماعية واسعة، إلا أن القراءة الخاطئة للمستقبل قد تدخلها في نفق تداعيات غير محمودة، مما يتطلب منها سرعة المبادرة وعدم الاستكانة للمعادلة القديمة المتجسدة بالمال النفطي وقدرته على حل كل الأزمات. فالمبادرة الذاتية توفر لنا الفرصة في الحد من تغيرات غير متوقعة وتجعلنا نخطو نحو مزيد من الاستقرار، لذا منظومة مجلس التعاون الخليجي مطالبة بمزيد من رؤى عملية تخرج عن المنطق التقليدي في مواجهة الأزمات.