«ما يحصل لا يبشر بخير»، تلك هي النتيجة التي خلص إليها الفيلسوف التونسي «أبو يعرب المرزوقي» في رسالة طويلة ضمنها استقالته من الحكومة التي تترأسها «حركة النهضة» ومن المجلس التأسيسي الذي دخله على قائمة الحركة. في رسالته التي نشرتها الصحافة هذا الأسبوع ذهب المرزوقي إلى أن المشروع «الثوري الحضاري» الطموح الذي راهن عليه منذ سنتين ودافع عنه بشراسة قد ظهر له في نهاية المطاف مجرد تهافت على المغانم الشخصية وتولية الأقارب والمقربين دون التزام معايير الكفاءة والتخصص، كما أن هدف مصالحة الإسلام السياسي مع الديمقراطية الذي يؤمن به فكرياً أضحى له راهناً في طريق مسدود. لم يكن المرزوقي أول وجه فكري راهن على التجارب الإسلامية الجديدة التي أفرزتها الثورات العربية من منطلقين رئيسيين هما: إغراء «النموذج التركي» الذي رمز إلى قدرة التنظيمات الإسلامية على التحول إلى أحزاب ليبرالية تؤمن بالتعددية وتتأقلم مع أساليب ومسالك الديمقراطية التعددية، والإيمان بمسؤولية احتضان التجارب الوليدة التي يتوقف على نجاحها تحصين مسار التحول الديمقراطي الهش الذي دخل فيه العالم العربي. للصورة الراهنة خلفيات سابقة تحتاج أيضاً بعض التنبيه، منها ما كشفت عنه حركات الإسلام السياسي في العقدين الأخيرين من قدرات براجماتية لافتة على التحالف والائتلاف مع القوى السياسية المغايرة في التوجه الفكري والأيديولوجي في مواجهة أنظمة القمع والاستبداد التي قضت عليها الثورات الأخيرة. كان للتنظيمات الإسلامية نشاط بارز على الخصوص في شبكات حقوق الإنسان وفي المنتديات الأهلية ونجحت في إيجاد قنوات فاعلة مع التيارات القومية العروبية واليسارية من خلال العديد من المؤسسات والمنابر كالمؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي – الإسلامي... بل إنها تجاوزت في بعض أدبياتها الفكرية العديد من العوائق التي كانت تحول دون قبولها للنظم التعددية الديمقراطية باسم الشرعية الدينية، واشتهرت في هذا الباب كتابات «راشد الغنوشي» التي كسب بها اتجاهاً واسعاً من المثقفين الغربيين والليبراليين العرب (ككتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية). وصل الأمر وفق هذه المعطيات إلى عقد تحالفات ناجعة لا شك أن لها كان تأثير حقيقي في دفع حركية الاحتجاج الثوري في بعض البلدان العربية، نشير منها إلى تحالف القوى الليبرالية في مصر التي يرمز لها «البرادعي» وجماعة الإخوان المسلمين والاتجاه الليبرالي الذي يمثله «أحمد نجيب الشابي» في تونس وحركة «النهضة»، مما حصل في ليبيا واليمن، ويحصل اليوم في سوريا بخلفيات مختلفة. بيد أن أجواء الائتلاف والتضامن التي سادت الأشهر الأولى للثورات العربية سرعان ما انقشعت، بعدما ظهر من اتجاه متنام إلى احتكار تيارات الإسلام السياسي لمنافذ التأثير والسلطة باسم الموازين الانتخابية. في الحالتين المصرية والتونسية، بدا واضحاً أن التنظيمات الإسلامية آثرت لأغراض براجماتية استبدال قوى التغيير الشريكة في الثورة بأسلمة نسق الحكم الذي كان قائماً بالاعتماد على مكوناته العسكرية والأمنية والطبقات والدوائر المرتبطة به مصلحياً مع الإبقاء على قواعد اللعبة الدولية نفسها، التي شكلت من قبل حزام أمن الأنظمة المخلوعة. تتجلى هذه الحقيقة في «الصفقة» التي توصلت إليها جماعة «الإخوان المسلمين» وقيادة المؤسسة العسكرية بعد تغيير واجهتها، وفي استمرار العلاقات الخاصة مع الإدارة الأميركية دون تغيير جوهري في سياسة السلام مع إسرائيل. تظهر المعادلة نفسها في تونس من خلال الائتلاف الواضح بين حركة «النهضة» والجهاز الأمني الذي كان حاكماً أيام «بن علي» عبر السجين السابق ووزير الداخلية الذي أصبح رئيساً للحكومة «علي العريض»، الذي هو في الآن نفسه مهندس التنظيم الحركي الأوحد لجماعة «النهضة». بعد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى، انسحبت الوجوه الفكرية القريبة نظرياً ومرجعياً من الاتجاه الإسلامي مثل طارق البشري وسليم العوا وأحمد كمال أبو المجد يائسين من مشروع «النهوض الإسلامي» الذي رفعته الرئيس الجماعة. وكما كتب المرزوقي خطاب استقالته بعد انقشاع وهم «الدورة النهضوية الجديدة»، استقال من قبله مستشار الرئيس مرسي الكاتب والباحث السياسي سيف الدين عبد الفتاح معلناً على الهواء انسحابه باكياً بعد أن رأى الشرطة تطلق الرصاص على شباب الثورة الذين لولاهم ما وصل للحكم.حدثني المرزوقي وعبد الفتاح عن معاناتهما المريرة مع النظم الإسلامية الجديدة التي اكتشفا أنها تقوم على منطق البراجماتية السلطوية المحضة ولو كان الغطاء دينيا. يبدو أن المثقفين العرب الذين تحمسوا للأنظمة الإسلامية الجديدة لم يقرأوا جيداً تجربة سلفهم في النصف الثاني من القرن الماضي، بمن فيهم أبرز المفكرين الإسلاميين كعباس محمود العقاد ومالك بن نبي اللذين عاصرا نشأة وتطور جماعة «الإخوان المسلمين». انتقد العقاد بقوة ميل «الإخوان» للعنف والأحادية وصب عليهم كامل غضبه بعد اتهامه بالضلوع في التصفيات الجسدية. للزعامات الوفدية وقيل إنهم حاولوا اغتياله. أما «مالك بن نبي» الذي تحمس في البداية للمشروع الإخواني قبل أن يستقر في مصر، فقد تحول إلى ناقد جذري لمشروعهم الفكري والسياسي الذي وجده منغلقاً فقيراً وعاجزاً عن استيعاب إشكالات النهضة الحضارية ومقتضيات الاندماج الفاعل في المنظومة العالمية من المنطلق الذي عبر عنه في كتابه «الفكرة الأفرو آسيوية»، الذي كان في انسجام كامل مع اتجاهات المشروع الناصري. إن النتيجة التي نخلص إليها هي أن تجارب الحكم الإسلامي الراهنة في طريقها إلى الانعزال والانفصام مع باقي مكونات الحقل السياسي، مما سينعكس بالضرورة على شرعيتها وقدرتها العملية في إدارة شؤون السلطة، ويجعلها في علاقة استتباع متنامية للأجهزة العسكرية والأمنية وللقوى الدولية الحريصة على رعايتها. وما يتجلى بوضوح هو أن هذه العزلة ستشتد داخل الحقل الإسلامي نفسه الذي أصبح متنوعاً مشتتاً لا سبيل لاحتكاره، في الوقت الذي ينمو بوضوح خطاب إسلامي تجديدي ومنفتح رافض لمرجعيات الإسلام السياسي الحركي.