استكمالاً لحديثنا عن جدلية عالمية حقوق الإنسان في مقابل الخصوصيات الثقافية، تطرح قضية أكثر إلحاحاً تزايد الجدل فيها في العقد الماضي خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما شهده العالم من إرهاب ومن حرب على الإرهاب، حيث ظهر التعارض واضحاً بين حماية الأمن الوطني من ناحية وحماية حقوق الإنسان من ناحية أخرى، وتجسد التوجس الدائم لدعاة حقوق الإنسان من المساس بالحقوق في أوقات الأزمات. لقد طرحت قضية حقوق الإنسان والأمن الوطني في إطار قضية الإرهاب ومكافحة الإرهاب وما ترتب على ذلك من تراجعات قانونية عن المبادئ الدولية لحقوق الإنسان، حيث ظهر المساس بحقوق الإنسان جلياً في التشريعات الصادرة من عدد من دول أوروبا وأميركا بحجة مكافحة الإرهاب، وبدأت حركة حقوق الإنسان العالمية تواجه سؤالًا جذرياً حول أولوية الأمن أم حماية حقوق الإنسان في ضوء تصاعد الهواجس الأمنية ومتطلبات حماية الأمن القومي، فهل تتعارض حقوق الإنسان مع الأمن؟ أم تتواءم معه؟ وهل يتحقق الأمن بدون ممارسة الحقوق الإنسانية الكاملة؟ ولكن السؤال يثار حول أيهما يتمتع بالأولوية في حالة التضارب فيصبح الخيار بين الأمن أم حقوق الإنسان؟ في بريطانيا أعرق الديمقراطيات الغربية يتصدر حديث الأمن القومي وحقوق الإنسان عناوين الصحف بعد أن أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية، تريزا ماي، مطلع هذا الشهر أنها تريد سحب عضوية بلادها من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان قبل الانتخابات العامة المقررة عام 2015، في خطوة تهدف إلى منع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من التدخل في العدالة البريطانية، لأن قرارات المحكمة «تؤثر على قدرة الحكومة على مكافحة الجريمة والسيطرة على الهجرة»، بعد أحكام أدت إلى عرقلة ترحيل من تصفهم بوعاظ الكراهية والمجرمين الخطرين والسماح لهم بالبقاء على أراضيها. وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أصدرت حكماً في يناير من العام الماضي، بمنع بريطانيا من ترحيل «أبو قتادة» إلى الأردن، بسبب مخاوف من أنه يمكن استخدام أدلة تم الحصول عليها عن طريق التعذيب ضده في محاكمته، وتوجهت وزيرة الداخلية البريطانية إلى الأردن للحصول على ضمانات بحصول «أبو قتادة» على محاكمة عادلة، وعليه أعلنت المحكمة الأوروبية في مايو أنها لن تتدخل لإيقاف ترحيل «أبو قتاده» إلى الأردن، إلا أن المعركة القضائية بين الحكومة البريطانية و«أبو قتادة» استمرت بعد منع إحدى المحاكم البريطانية ترحيله من المملكة المتحدة إلى الأردن نوفمبر الماضي، وما زالت المعركة مستمرة. وكانت بريطانيا قد رحلت «أبو حمزة المصري» وأربعة آخرين يشتبه في ضلوعهم في «الإرهاب» إلى الولايات المتحدة بعد أن خاض الطرفان معركة قانونية طويلة. وكان الجدل في بريطانيا قد حسم مسبقاً عام 2011، فالقانون يكفل حق التظاهر السلمي وحق الأفراد في التجمع وحرية التعبير، ولكن بعد انتشار الجريمة المنظمة والإرهاب بطريقة تشكل خطراً على الأمن القومي للبلاد أقر البرلمان البريطاني، وفق قانون مكافحة الجريمة المنظمة لعام 2005 ومكافحة الإرهاب لعام 2006، بعض القوانين التي تقيد حق التظاهر، كما منع التظاهر في مناطق حيوية وأعطى صلاحيات أوسع للشرطة للتدخل في هذا الحق. وفي العام 2011 شهدت بريطانيا احتجاجات غير مسبوقة على خطة الحكومة لخفض الإنفاق العام وزيادة الضرائب وخفض التمويل الحكومي لميزانية التعليم الجامعي، وسرعان ما اتخذت الاحتجاجات الطابع العنيف لتتحول إلى أعمال شغب واشتباكات، وتدخلت قوات مكافحة الشغب إلى جانب قوات الأمن لمواجهة الشغب وأدت أعمال العنف والشغب إلى انتشار السلب والنهب وإلى تدمير بعض البنوك والمحال الكبرى، وتعثرت حركة المرور وأغلقت المحال، وقامت الشرطة البريطانية بحملات اعتقال واسعة بعد سلسلة من التحقيقات الجادة والمكثفة وسعت للتفريق بين مثيري الشغب وبين المحتجين والمتظاهرين السلميين من خلال كاميرات المراقبة. وساند الشعب البريطاني قوات الأمن على رغم بعض التجاوزات التي وقعت خلال عمليات تحديد واعتقال مثيري الشغب الحقيقيين، وظل حق التظاهر مكفولاً بالقانون، وقد قال كاميرون مقولته الشهيرة «عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي لا أحد يحدثني عن حقوق الإنسان».