لقد أصبح للرئيس جورج بوش، قرينه الأصغر، وصداه الذي يردد كل كلمة يقولها ويقلد كل فعل أو حركة يأتيها. فقد أمضى رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي طوال الأسبوع الماضي في كل من نيويورك وواشنطن، وهو يردد كل كلمة تفوَّه بها الرئيس بوش، حول المزاعم الحمقاء القائلة إن الحرب الدائرة في العراق، إنما هي جزء لا يتجزأ من الحرب الدولية التي ظلت تخوضها الولايات المتحدة الأميركية ضد "الإرهاب"، اعتباراً من 11 سبتمبر 2001، وإن أوهام وتهيؤات مجموعة المحافظين الجدد الخاصة بالتحول الديمقراطي في العراق، تسير على ما يرام، وإن أسوأ ما حدث هناك، إنما يجرى تخطيه نحو الأفضل. ويقيناً فإن الخطأ خطأ الإعلام، الذي أظهر الرجلين وهما يتحدثان كما لو كانا يؤديان أغنية ثنائية ضبطت موسيقاها وألحانها وأنغامها على نحو في غاية التناغم والانسجام، إلى درجة أنك تتساءل عما إذا كانت "كارين هيوز" هي التي كتبت خطابات إيادي علاوي، بحيث تخفي فيها عن عيون ملايين العراقيين، ما لم يكونوا يألفونه من عمليات اختطاف وقطع للرؤوس وعمليات انتحارية والموت اليومي في الشوارع العامة بين عمليات تبادل إطلاق النيران وغيرها. كما يقع اللوم على جون كيري أيضاً، لتواطئه وغضه الطرف عما يقوم به المقاتلون المناوئون للوجود الأميركي في العراق، بتشكيكه في أهداف الخطة التي ننفذها حالياً هناك، وهو الشيء نفسه الذي فعله إزاء مهمتنا في فيتنام سابقاً.
ففي حديث له أمام الكونجرس، قال السيد إياد علاوي:إن هؤلاء المتشككين، إنما يقوضون بلادنا، ويخاطرون بحفز آمال وتطلعات الإرهابيين. وقد جاء ذلك الحديث من رئيس الوزراء العراقي، في وسط أجواء عبقة بالهجوم على جون كيري لصالح حملة بوش- تشيني الانتخابية، وإثر البالونة المفرقعة التي أطلقها تشيني بقوله إن كل صوت أميركي يعطى لكيري في الحملة الانتخابية المقبلة في شهر نوفمبر، إنما هو صوت لإرهابي آخر، سيشن هجوماً جديداً على الولايات المتحدة الأميركية! وفي الهجوم على كيري، فقد تكالبت أكثر من جماعة، كانت أولاها مجموعة "سويفت بوت" واليوم مجموعة " سفينة علاوي". ومثلما نجح كل من ديك تشيني وزمرة المحافظين الجدد، في تحويل جورج بوش إلى وعاء حامل لمخططاتهم ومشروعاتهم المبيتة للإطاحة بصدام حسين، وتحويل المؤسسة العسكرية الأميركية برمتها وتبني عقيدة الحرب الاستباقية، وتوجيه الضربات للعدو والصديق، متى ما وقفا في وجه التفوق العسكري الأميركي، فقد أفلح بوش بدوره، في تحويل إياد علاوي إلى وعاء حامل لأوهامه وتهيؤاته الحالمة حول العراق، ظناً منه أنها هي التي تحمله على أجنحتها مجدداً إلى البيت الأبيض. وفي كل مرة تعلن فيها إدارة بوش أنها اتخذت من الخطوات والإجراءات ما هو كفيل بالحد من عمليات العنف الجارية هناك، يحدث العكس تماماً، باشتعال نيران العنف أكثر بشكل شدة وضراوة من ذي قبل.
ولكن ما يجهله بوش، هو أنه وباستخدامه إياد علاوي مجرد دمية ببغاوية له في حملته الانتخابية هذه، إنما يقلل من فرص السيد رئيس الوزراء في إقناع الكثير من مواطنيه العراقيين، بأنه ليس دمية بيد بوش. وما من سبيل آخر لإياد علاوي لأن يكتسب مصداقيته أمام شعبه، ويساعد في إعادة بناء دولته التي حولتها الحرب إلى حطام، ومن ثم يعاد انتخابه للمنصب ذاته، سوى كسب هذه الثقة والمصداقية أمام شعبه ومواطنيه أولا. لكن في الواقع فإن تحول علاوي إلى دمية بيد بوش، إنما يعد ترقية مهنية له، قياساً إلى عمله وخضوعه السابق لصدام حسين، وعمله كمخبر سابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.
وإنه لمن المثير للسخرية أن يقدم الجمهوريون علاوي على أنه محلل موضوعي للأوضاع في العراق، على رغم كونه مجرد صدى لما يرددونه هم أنفسهم، وعلى رغم براعته في تقديم الأوضاع تحت الأضواء الزاهية، نفسها التي يرسمونها هم عن الواقع الفعلي هناك. وعلى الرغم من أن علاوي يقدم نفسه بصفة من يمثل العراقيين جميعاً، إلا أن ممارساته تضع الجزء الغالب من بلاده بيد "الأخ الأكبر"، فتراه يمنح نفسه صلاحية إعلان قانون الحرب، وإعادة عقوبة الإعدام إلى نصوص القانون العراقي، ويقدم على طرد قناة "الجزيرة" من بلاده.. إلى آخره.
وعلى عكس ما يدعي مسؤولو إدارة بوش من خلو إدارتهم من الهوى والغرض، فيما يتعلق بعملية تحرير العراق، وكونها لا تهدف إلى أي شيء آخر، سوى جلب الحرية للعراقيين وتخليصهم من عسف وديكتاتورية صدام حسين، فإن الواقع هو أنهم ينظرون إلى تلك العملية برمتها بالكثير من النرجسية والأنانية وحب الذات، لكونها لا تعني أي شيء آخر بالنسبة لهم، سوى كونها الطريق الأقصر لإعادة انتخاب بوش لدورة رئاسية جديدة.
ويلاحظ على المحافظين الجدد، وزمرة الإدارة أنهم تراجعوا بعض الشيء عن أوهامهم وأحلامهم الكبيرة بشأن التحول الديمقراطي الباهر في العراق، وهو التصور الذي كانوا يبشرون به حتى وقت قريب منذ فترة ما قبل إعلان شن الحرب على العراق. فقد تبددت أوهامهم وأحلامهم المثالية التي لا تقارب الواقع في شيء. فها