مثلت انتخابات الرئاسة الأسبوع الماضي في كينيا، اختباراً لذلك البلد الذي يمثّل أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، والذي تضررت صورته كديمقراطية مستقرة بسبب الدماء وأعمال العنف التي أعقبت انتخاباته الرئاسية عام 2007. أما في انتخابات الرئاسة هذه المرة، فكانت المنافسة اختباراً لسياسي كيني صاعد ومثير للجدل، ألا وهو «أوهورو كينياتا» الذي فاز من الجولة الأولى بمنصب الرئاسة، كما ذكرت لجنة الانتخابات التي أعلنت يوم السبت الماضي حصوله على أكثر من نصف الأصوات الانتخابية الصحيحة. وينظر إلى كينياتا كواحد من الساسة البارزين في بلاده، حيث سبق أن كان عضواً في البرلمان، كما تقلّد حقائب وزارية مهمة، بما في ذلك منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية معاً، علاوة على توليه قيادة حزب «الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني» منذ عدة أعوام. و«أوهورو كينياتا مويجاي»، المولود عام 1961، هو ابن «جومو كينياتا»، أول رئيس لكينيا بعد استقلالها. وقد تلقى تعليمه في مدرسة «سانت ماري» بنيروبي، ثم درس العلوم السياسية في كلية «أمهرست» في الولايات المتحدة. وكان أول دخول لكينياتا عالمَ السياسة في عام 1997، خلال الانتخابات الداخلية لحزب «الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني»، حيث انتخب رئيساً لأحد أفرع الحزب في مدينة «جاتوندوم الجنوبية» التي ينحدر منها، وذلك بموافقة من «دانييل آراب موي»، رئيس البلاد وزعيم الحزب في حينه، بهدف إعداده لتولي مسؤوليات كبيرة. لكن في الانتخابات العامة، وقد جرت في العام نفسه، خسر كينياتا المنافسة في مدينته أمام مهندس نيروبيّ غير معروف، فقلّص نشاطه السياسي، وبدأ ينشغل بإدارة إمبراطورية الأعمال التي تملكها عائلته، وتشمل فنادق سياحية من فئة الخمس نجوم وشركات للطيران والزراعة والتجارة. غير أن موي واصل دفعه على الساحة السياسية الكينية، فعيّنه في عام 1999 رئيساً لهيئة تنشيط السياحة، وأخذ يعمل مع بعض الأصدقاء المقربين جداً للرئيس، والذي عاد وعيّنه، في مارس عام 2001، وزيراً للحكم المحلي، ثم اختاره لخلافته في رئاسة البلاد حيث دعمه كمرشح لانتخابات الرئاسة عن «الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني»، في ديسمبر عام 2002، لكنه خسر أمام مرشح المعارضة «مواي كيباكي»، فأصبح زعيم المعارضة في البرلمان. وواصل موي تبنّيه لكينياتا، حيث وقف إلى جانبه في يناير عام 2005، ضد المرشح القوي نيكولاس بايوت، لرئاسة الحزب، والتي آلت أخيراً إلى كينياتا بأصوات 2980 مندوباً مقابل 622 مندوباً لبايوت. وقاد كينياتا حزبه في الحملة ضد مشروع الدستور عام 2005، وتحالف مع رولا أودينجا لإنشاء «الحركة الديمقراطية البرتقالية» التي عارضت مسودة الدستور وأسقطتها في الاستفتاء العام. لكن «بايوت» استطاع عزله من قيادة الحزب في نوفمبر عام 2006، بيد أنه لم يقبل قرار العزل، وقررت المحكمة العليا في كينيا إعادته رئيساً للحزب في ديسمبر عام 2006. وفاجأ كينياتا الكثيرين بانسحابه من الانتخابات الرئاسية في ديسمبر عام 2007، قائلا إنه لا يريد إنهاك الحزب ما لم يكن متأكداً من الفوز، كما تخلى عن حليفه في المعارضة «أودينجا» وأعلن دعمه إعادة انتخاب الرئيس كيباكي الذي كان عضواً قديماً في «الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني»، ونائباً لرئيس الجمهورية «موي»، قبل أن يفضل عليه كينياتا ويختاره لخلافته، مما حدى بكيباكي للانشقاق وتأسيس «حزب الوحدة الوطنية». ووسط الجدل الذي أثاره إعلان فوز كيباكي عام 2007، رغم ادعاءات الاحتيال من منافسه مرشح المعارضة أودينجا، وهزيمة حزب «الوحدة الوطنية» في الانتخابات العامة التي أجريت متزامنة مع الانتخابات الرئاسية... أعلن كيباكي تعيين كينياتا وزيراً للإدارة المحلية في يناير عام 2008، ثم عُين مجدداً، بعد اتفاق تقاسم السلطة بين كيباكي وأودينجا، نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للتجارة في حكومة الائتلاف التي تشكلت في أبريل عام 2008 وترأسها أودينجا. وبعد أقل من عام أصبح كينياتا وزيراً للمالية، مع بقائه نائباً لرئيس الوزراء، فأدخل بعض الإصلاحات التي مثلت تغييراً في كيفية إدارة الخزينة والسياسة المالية الكينية، بما في ذلك برنامج التحفيز الاقتصادي، وإعادة تصميم النظام المتكامل لمعلومات الإدارة المالية، وإدراج القطاع غير الرسمي لإدارة الأموال، والاستثمار في صندوق التعويضات، وإدارة التدقيق الداخلي للخزانة، والعمل على ترشيد نفقات الحكومة، واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية في بيان ميزانية التسيير، وتطبيق العديد من قواعد وإجراءات الشفافية المالية الحكومية. ورغم ذلك أدّت خلافاته السياسية مع كيباكي إلى استقالته من المنصبين الوزاريين في يناير عام 2012. لكن قبل ذلك، في 15 ديسمبر عام 2010، أُعلن اسم كينياتا كمتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أعمال العنف التي أثارتها نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2007. فقد وجّه أوكامبو، مدعي عام المحكمة الدولية، إلى كينياتا تهمة تنظيم مجموعة سياسية دينية تدعى «مونجيكي»، مارست أعمال قتل وحرق واغتصاب. ثم استدعت المحكمة كينياتا، في 8 مارس عام 2011، للمثول أمام الدائرة التمهيدية فيها، إلى جانب خمسة مشتبه بهم آخرين. لكن كينياتا أنكر تلك التهم، نافياً أي علاقة له بطائفة «مونجيكي» المحظورة، وقال إن أودينجا هو من يتحمل المسؤولية السياسية عن الأحداث الدموية عقب انتخابات عام 2007. وسيكون كينياتا ثاني رئيس أفريقي في سدة الحكم، بعد البشير، مطلوب للادعاء العام في محكمة لاهاي، هذا إذا ما استطاع أن يفرض على منافسه الرئيسي (أودينجا) قبول نتائج انتخابات الأسبوع الماضي، أي ثنيه عن إلغائها من خلال المحاكم، أو إخراج مؤيديه للاحتجاج عليها في الشوارع. وسيكون في مقدمة التحديات الأخرى أمام حكمه إعادة الثقة إلى العلاقة بين الأطراف الاجتماعية والسياسية في البلاد، وإضفاء المصداقية على العملية السياسية الديمقراطية، وفي مقدمتها النظام الانتخابي، ودور الأجهزة الحكومية على اختلافها... وقبل ذلك وبعده استعادة حركة القطاعات الاقتصادية التي تضررت خلال الأعوام الماضية جرّاء أعمال العنف. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي والحاسم لكينياتا وكينيا كلها. محمد ولد المنى