عشرة أعوام عراقية مرّت كلمح البصر، لم يكن نظام الاستبداد مقبولاً، ولا كان الغزو والاحتلال مسوّغين، لم يكن هناك أي «إنقاذ» للعراق والعراقيين، بل دفع بالبلاد إلى التهلكة، وتقويض للإقليم، فخسر من خسر واستفاد من استفاد، تغيّر وجه العراق، تغيّر وجه العرب. أدخلت المنطقة العربية في دوامة بات يصعب تصوّر أو تحديد نهاية لها، كان العراق قلبها، كان واسطة العقد، يتساوى في ذلك من يكون الحاكم، وإذا تصدّع القلب عبثاً تصبح محاولات الإنقاذ. دارت الأيام دورتها فإذا بالعالم العربي يرث عن الدولة العثمانية وضعية «الرجل المريض»، وإذا بسياسي النظام العالمي يولون إلى قوى إقليمية أمر رعايته وإدارته، فتتنافس تركيا وإسرائيل وإيران على الاستقواء والنفوذ والتسلط كما لو أن التاريخ أدخل العرب في غيبوبة لا رجعة منها. لم يكن تهاوي تمثال صدام في بغداد هو مشهد السقوط، بل كان بالأحرى في صور النهب المنظم الذي تعرضت له مؤسسات الدولة، ومنذ ذلك اليوم لم يتوقف النهب حتى نال من كل شيء، كما لو أن الجميع، صغاراً وكباراً، نافذين ومعدمين، تحولوا إلى غزاة، ولا شيء مما فقد في ذلك الوقت أمكنت استعادته، لا الدولة ولا المؤسسات، ولا الأمن، ولا الخدمات ولا الآثار، ولا وحدة العراق. ورغم كل هذه الانفلاتات المتوقعة في فورة الانفعال، بقي ثمة أمل في أن «العراقيين الجدد» سيعودون سريعاً إلى رشدهم، فقد عانوا طويلاً وذاقوا مر العذاب والقهر والفقر والقتل والنفي. وآن لهم أن يحققوا الآمال والأحلام والطموحات التي دفعتهم إلى طلب غزو بلادهم لخلع الديكتاتور اللعين، لكنهم خيبوا الآمال، ولم يكونوا على قدر المسؤولية، فقد أعطوا مصير درة البلدان وأمعنوا فيه تبديداً. لم يكشف الحدث العراقي كل أوراقه بعد، لكنه غدا لعنة ووصمة عار على «أبطاله» الدوليين الذين اعتمدوا الكذب والتلفيق تلبية لغرائز استعمارية مترسبة في الوعي واللاوعي. وإذ يتجه التحقيق البريطاني إلى نقض الرواية الرسمية لأسباب الحرب ودوافعها، لم يجرؤ أحد في الولايات المتحدة على طلب تحقيق مماثل، إلا أن محاكمات العسكريين مثلت خلاصة حية لحرب خيضت بلا أخلاقية موصوفة، ثم أن الدروس التي استحدثتها إدارة أوباما من تهورات بوش الإبن وأعوانه جعلت «اللعنة العراقية» حاكمة متحكمة في سياسات الدولة العظمى، كان الحدث علامة فارقة في النظام العالمي وتحولاته. عندما انسحب الأميركيون بنهاية عام 2011 تفاخروا بأن تركتهم في العراق تتلخص بأمرين: مسار ديموقراطي وأمن أفضل، كان عليهم أن يخيروا المالكي الذي تقاسموا اختياره وتمكينه مع الإيرانيين، إذ أن رئيس الوزراء أصبح في نظر مواطنيه صداماً آخر، لا يستخدم هيبة الدولة لجعلها «دولة القانون» أو لفرض الأمن أو لمكافحة الفساد أو لتفعيل الخدمات، وإنما لإعادة إنتاج الاستبداد المتنكر بديكور ديموقراطي. ورغم أن عشرة أعوام لم تكف لينسى العرب والعالم أن النظام السابق استلزم تدخلاً خارجياً لاقتلاعه، وأن السلطة التي يحتكرها المالكي حالياً جاءته بفضل هذا التدخل، إلا أنه ينكر على الشعب السوري الجار حقه في اقتلاع نظامه المستبد من دون تدخل خارجي مباشر، وهذا في حد ذاته يلخّص عقلية حاكم يُفترض أنه «منتخب» ويدير شؤون بلده وشعبه بناء على تفويض ديموقراطي، غير أنه يبرهن عملياً أن للتمذهب والتعصب والفئوية الغلبة على أي نهج مكتسب. ذروة المسؤوليات التي ألقيت على عاتق «العراقيين الجدد» أن يحافظوا على وحدة الشعب والأرض والدولة، فضلاً عن إثبات اختلافهم الحقيقي والجذري عن النظام الذي تخلصوا منه. وليست الأزمة الحالية في العلاقة بين الحكم ومناطق السنّة التي تهدد وحدة البلاد طارئة أو مفاجئة، بل هي نتاج وضع لم يبارح التأزم منذ عام 2003 حتى الآن، ثم أن العلاقة بين الحكم وإقليم كردستان ليست بأفضل حال، ومن الواضح أن الدستور، كمرجعية وطنية، لا يبدو حالياً عنصراً مساعداً لحلحلة الأزمات، بل كان ولايزال جزءاً منها، خصوصاً بالنسبة إلى السنّة. كان الأميركيون قد استمالوا «الصحوات» السُنية في إطار مكافحة العنف، ونصحوا المالكي بالعمل على مصالحة وطنية والتقدم بتعديلات دستورية، إلا أنه استمع إلى نصائح معاكسة جعلته يميل إلى الحكم بالإخضاع لا بالمصالحة، ولعله يتطلع الآن إلى تذويب الأزمة الداخلية في أتون صراع مبرمج ربطه هو شخصياً بالأزمة السورية، إذ قال إن انتصار الثورة السورية يعني «حرباً طائفية» في العراق. لا مبالغة في القول إن الحدث العراقي كان بين عناصر عدة ساهمت في صنع «الربيع العربي» كعنوان لإسقاط أنظمة مستبدة، لكنه بنتائجه وأخطائه وخطاياه غدا أيضاً نموذجاً قاتماً لـ«الربيع» بما قدمه من تجارب: دستور غير متكافئ، انقسام مجتمعي حاد، دولة فئوية، قصور حكومي وإداري، فساد غير مسبوق، اقتصاد مزعزع، ومخاطر حرب أهلية... أليست كل هذه عناوين ما نشهده في مصر وتونس وليبيا واليمن؟ عبدالوهاب بدرخان كاتب ومحلل سياسي - لندن