في خطاب الفريق البشير أمام المؤتمر العام لحزبه >حزب المؤتمر الوطني< اشارات ايجابية مشجعة، ينبغي البناء عليها وتطويرها لتصبح سياسة جدية، تفتح الطريق امام السودان ليس للخروج من مأزق الحرب المأساوية المهلكة، بل أيضا لبناء السودان الجديد، الذي طال شوق السودانيين تطلعا اليه، وأملاً في شروق شمسه، بعد ليل طويل ومستمر، صاحبته وزادته ظلاما وظلما ويلات الاقتتال الأهلي وما أوصلت اليه البلاد من تردّ وتدهور حتى بات الحادبون على مصائر الوطن يخشون انهياره وتمزقه·
لقد ظلت الحرب اللاعقلانية والمهلكة هي قمة المأساة السودانية التي تصاعدت بشكل صعب على السودانيين ضبطه حتى اضطروا إلى الاستنجاد بالجيران والاشقاء والمجتمع الدولي ليعيدوا الأمور إلى صوابها·· والمحادثات الجارية الآن بين الفرقاء السودانيين في كينيا والمأمول منها ان تنتهي الى اتفاق سلام بين الحكومة والحركة الشعبية، هي خطوة وخطوة ايجابية ومشجعة على طريق الحل الشامل للقضية السودانية التي لم يعد يجدي النظر اليها من المنظور الفكري الثقافي القديم والذي ظل يتجاهل الأسباب الموضوعية التاريخية ويتعامى عن الحقائق التي تشكل الواقع السوداني بكل تعقيداته التاريخية ومكوناته الاثنية والثقافية المتعددة، متشبثا بما لا يجدي، معتقدا عن سوء فهم وتقدير ان الصراع المسلح والاقتتال يمكن أن يحل مشكلة وقضية عميقة الجذور، بعيدة الأثر وعظيمة الخطر، مثل القضية السودانية·
واذا كان السودانيون - كل السودانيين - قد وعوا وأدركوا بعد معاناة طويلة وقاسية، دفعوا خلالها ثمنا غاليا من دمائهم وارواحهم وتطور ونمو وطنهم الكبير، فان هذه اللحظة التاريخية في حياتهم ومصير بلدهم، يتوجب عليهم أن يقابلوها بالجدية اللازمة وبالصراحة الواجبة ليبحثوا وبشكل عميق ووضوح تام في الاسباب التي ادت الى قيام الحرب الأهلية واستمرارها بهذا الشكل المريع، حتى لا يكرروا الاخطاء التاريخية التي قادت إلى الحرب والى الاقتتال الأهلي·
ان اتفاق السلام - اي اتفاق سلام- لا يعالج جذور وأعماق المشكلة التي قادت الى الحرب سيكون مجرد هدنة قد تطول وقد تقصر ولكنه لن يؤدي الى حل شامل وعادل ودائم للمشكلة السودانية يرتقبه عن قناعة وثقة كل ابناء السودان· وذلك اليوم هو واجب القيادة السودانية في الحكومة والمعارضة، في الجنوب والشمال·
لقد قال الفريق البشير أمام المؤتمر العام لحزبه: ان مرحلة السلام المقبلة لها متطلبات عديدة ابرزها السعي لبناء السودان الجديد على اسس الحرية والعدل والمواطنة الكاملة واحترام الاديان والمعتقدات· وكذلك تتطلب قيام مجلس اعلى للسلام يكون منبرا قوميا يشارك فيه الجميع بجانب تشكيل جبهة وطنية عريضة تعمل لتحقيق الوحدة والاستقرار· ولابد من تأكيد سيادة القانون وتعزيز الحريات العامة ورفع حالة الطوارئ فور توقيع اتفاق السلام النهائي وفك الحظر عن النشاط السياسي لكافة القوى المعارضة· ذلك ما قاله رئيس الحزب الحاكم ورئيس الدولة لاعضاء حزبه في مؤتمرهم العام·· وكل تلك الموجهات والمؤشرات الايجابية جديرة بالاعتبار وحري بالسودانيين حكاما ومعارضين ان يتمكسوا بها وان يدفعوا على طريق تحقيقها، لكن مسؤولية السلطة هي الأكبر اليوم·· فبيدها أن تحول تلك المؤشرات الايجابية الى برنامج عمل تلتزم به الحكومة بكل جدية واخلاص وصدق جدير بمن يحمل أمانة المسؤولية·· وبيدها ايضاً ان توفر المناخ الذي يحقق الثقة ويزيل أسباب الشك والتوتر بينها وبين المعارضة·
إن التجربة السودانية التاريخية قد اثبتت منذ فجر النهضة الوطنية وإبان معارك التحرير والاستقلال، أنه لا سبيل امام السودانيين لتحقيق تطلعاتهم الوطنية المشروعة سوى وحدة كل قواهم السياسية والاجتماعية واتفاقها على قاعدة قومية، تحقق وتصون مصالح وتطلعات كل السودانيين على اختلاف أصولهم وعروقهم ومنابعهم الثقافية والروحية، وتوفر لكل السودانيين الكرامة والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات في أجواء الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الانسان· بهذا السبيل وحده، حقق جيل الآباء المؤسسيين استقلال السودان·· وبهذا السبيل يمكن للسودانيين ان يبنوا من جديد السودان الجديد القائم على اسس العدل والحرية والكرامة الانسانية· السودان الجديد الذي سيعود ليصبح - كما كان من قبل- منارة في افريقيا والعالم العربي، يضرب الناس المثل بسماحة اهله وديمقراطيتهم وعقلانيتهم وبذلهم وعطائهم في ساعات الشدة التي مرت بجيرانهم وأشقائهم·
ان السودان الجديد الحلم ليس مستحيل التحقيق، ولكنه يحتاج الى الشجاعة والعزيمة والصبر وسعة الأفق لكي تشرق شمسه، وذلك ما يرجوه كل محب للسودان..