عندما كتب «جيب بوش» حاكم فلوريدا السابق، و«كلينت بوليك» كتابهما المعنون «حروب الهجرة» العام الماضي، فإنهما في الحقيقة كانا ينقلان نقاش السياسات الداخلية في الحزب «الجمهوري» لآفاق جديدة. وقد جاء الكتاب المذكور كملخص محكم، وواضح، للإصلاح الشامل، أثبت بجدارة أن نظام الهجرة الإنساني والمنظم، هو وحده الكفيل بزيادة رصيد رأسمال أميركا البشري، الذي يمثل إضافة قيمة لنموها الاقتصادي، ويعالج خصوبتها المتناقصة، ويؤكد شخصيتها الوطنية. وكان قيام المرشح الرئاسي «الجمهوري» بتقديم تلك الحجج خلال المرحلة التمهيدية في الحملة الانتخابية الموسم الماضي كفيلا بتعريضه لصفير الاستهجان وطرده من خشبة المسرح. وفي الحقيقة أن المرء يدهش عندما يرى النتيجة التي يمكن أن تؤدي إليها عملية إعادة طلاء الأشياء ثم تقديمها في صورة جديدة. ففي عام 2004 فقد المرشح «الجمهوري» أصوات الأميركيين من أصول لاتينية بنسبة 9 في المئة. وفي عام 2012 فقدها بنسبة 44 في المئة. بعد ذلك قام السيناتور «ماركو روبيو» (جمهوري- فلوريدا)، باعتباره عضواً فيما كان يطلق عليه «عصابة الثمانية» بتبني مسار للحصول على الجنسية لملايين من العمال الذين لا يمتلكون أوراقاً ثبوتية. وفي كتابه المشار إليه أعلاه، يوصي «جيب بوش» باتباع مسار للحصول على وضعية المقيم الدائم (غير المواطن). «ليس في الأمر ما يدعو للدهشة في الحقيقة»، كان هذا ما قاله لي«بوش» حول تلك الظاهرة، ولمزيد من التوضيح قال الكتاب طبع العام الماضي في بيئة معينة... وكان الهدف إقناع الناس الرافضين لسياسة الهجرة بالموافقة عليها. ومنذ ذلك الوقت غير ثمانية من كل 100 سيناتور من موقفهم . أما في مجلس النواب فلم تكن النسبة مقاربة لذلك. وعندما كنا نشتغل على هذا الموضوع لم يكن «ماركو روبيو» مؤيداً للمسار الخاص بمنح الجنسية للمهاجرين». والعناصر الأكثر دلالة في هذين المسارين تكمن في الأجزاء التي يتفقان فيها. فكلاهما يقدمان للمهاجرين غير الشرعيين- بعد الفرز والغرامات المناسبة بالطبع- وضعية المقيم الشرعي الدائم، كما أن الاثنين سوف يطلبان من المهاجرين غير الشرعيين الانضمام للطابور ولكن وراء المهاجرين الشرعيين الساعين للحصول على الجنسية،(وإن كان بوش يطالبهم بالعودة إلى أوطانهم الأصلية أولا). هذه هي نقطة الارتكاز الحقيقية للمحافظين في الجدل الحالي الدائر حول الهجرة. فالعديد من «الجمهوريين»- أو القادة «الجمهوريين» على الأقل- لم يعدوا يعارضون فكرة وضعية الإقامة الدائمة، بل والجنسية المكتسبة، للعمال غير الحائزين على وثائق؛ ولكنهم يعربون عن قلقهم من نظام يمنح المهاجرين غير الشرعيين مزايا على هؤلاء الذين انتظروا دورهم طويلاً، لأن مثل هذا النظام سيؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج المشكلات الحالية مستقبلا. وقال لي بوش بشأن هذه النقطة:«إذا منحنا حوافز لمن يأتون إلى هنا على نحو غير قانوني... فإننا سنكون في النقطة نفسها التي كنا عليها بعد خمس سنوات من الآن». وقد قام بوش بتصميم خطة لإزالة هذه الحوافز مع تطوير نظام «أولوية الدور» العادي لمنح أفق أكثر واقعية للمهاجرين القانونيين. وهو ما يتطلب من وجهة نظره «إيجاد خط فعلي» للحصول على الجنسية غير موجود حالياً. في هذا الخط يتبنى بوش ما يطلق عليه «التعريف الطبيعي للتوحيد العائلي»- والذي يقوم على تضييق امتداد خط الجنسية بحيث يشمل فقط إحضار الزوج أو الزوجة والأطفال القصر بدلًا من أن يشمل ذلك الأخوة والأخوات والأبوين المسنين- «الذي سيزيد الفئات الأخرى من المهاجرين غير القانونيين بشكل دراماتيكي». وإذا لم نغير هذا النظام، فإن القدوم للولايات المتحدة على نحو غير قانوني سيكون هو الطريق الوحيد المتاح. وهم بوش الأساسي هو حوافز النظام، وليس تفاصيل مسار الحصول على الجنسية. ويوضح هو هذه النقطة بقوله «إذا كان هناك طريقة للتعامل مع هذا الأمر فيجب أن تركز على عدم تحميل من جاءوا إلى الولايات المتحدة على نحو قانوني عناءً أو مشقة مساوية لمن لم يأت بهذه الطريقة». وقال لي أيضاً: «أنا شخصياً أؤيد ذلك، فنحن نكتب كتاباً ولا نصوغ قانوناً». وبوش لا يقارب هذه القضايا كسياسي معتدل، ولا يقاربها حتى كمحافظ ينزف قلبه ألما على شاكلة «جاك كمب»، الذي كان مرشحاً لمنصب نائب رئيس الجمهورية على حملة بوب دول عام 1996. فهو يقول في هذا السياق:«أنا لم أكن مؤيداً أبداً لتوسيع نطاق الحكومة من أجل تمكين الناس فأقصى ما يمكن أن آخذه من الناتج القومي الإجمالي الذي تستهلكه الحكومة هو أربعون في المئة فقط». من هنا يتضح أن تركيز بوش الرئيسي ينصب على إصلاح المؤسسات وعلى وجه الخصوص منظومة الهجرة، والتعليم العمومي والرعاية الصحية، وهو يقول إن «الحكومة ما زالت عالقة في مستنقع السبعينيات، أي في بنى وهياكل باهظة التكلفة، ومحصلات ونتائج متواضعة، فكل المؤسسات الأخرى قد مرت بإصلاح أما الحكومة فلا». مايكل جيرسون كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»