ماذا يعني التنوير؟ التنوير موقف فلسفي يقوم على عدة مفاهيم رئيسية تنتظم فيما بينها في تصور واحد للعالم مثل: العقل، والطبيعة، والإنسان، والحرية، والمساواة، والتقدم. فالعقل ضد التقليد الموروث من أجل إفساح المجال للإنسان لتأسيس نظرية جديدة للمعرفة تقوم على استقراء قوانين الطبيعة والاعتماد على الحس والتجربة بعد أن لم تثبت المعارف الموروثة القديمة من الكنيسة وأرسطو أمام النقد العقلي العلمي الحديث. والطبيعة كتاب مفتوح ضد الكتاب المغلق، الموسوعة القروسطية والأرسطية. لها قوانينها الثابتة ونظامها الحتمي. هي مصدر كل علم ومعرفة. إليها يتوجه العقل ليستقرئ قوانينها بدلا من استنباطها من عقائد نظرية ومذاهب موروثة أو نصوص مكتوبة سلفاً. والإنسان مركز الكون وله الخلافة في الأرض والوراثة للصلاح. وهو خالق أفعاله، حر مختار مسؤول، قادر على التمييز بين الخير والشر. ثم تتحقق حريته في المجتمع في النظام الديمقراطي الذي تتحدد فيه سلطة الحاكم بالمحكوم عن طريق العقد الاجتماعي. فالحاكم يحكم باسم الشعب، باسم الأمة. والنظام الاقتصادي الأمثل هو المجتمع الذي تسوده المساواة والعدالة الاجتماعية وتقل فيه الفوارق بين الطبقات. فالتنوير ضد التفاوت الشنيع بين الأغنياء والفقراء واستغلال الأقوياء للضعفاء. وأخيراً التنوير حركة التاريخ ومساره من الماضي إلى الحاضر. ولذلك خرج مفهوم التقدم منه. وما ظنه القدماء العناية القدرية في التاريخ هو عند فلاسفة التنوير التقدم في التاريخ كما فعل هردر. وما ظنه اللاهوتيون انتقالاً دينياً من سابق إلى لاحق هو في الحقيقة تطور البشرية من الطفولة إلى المراهقة إلى الرجولة، من الحس إلى العاطفة إلى العقل كما هو الحال عند ليسنج. ويوجد التنوير في كل مجتمع، ويظهر كاتجاه في كل حضارة، وليس خاصاً بالحضارة الأوروبية وحدها، بل إنه يمكن القول إن التنوير في الحضارة الأوروبية تراكم تاريخي طويل صبت فيه إبداعات الأمم السابقة عبر التاريخ. ثم ذاع من خلاله نظراً لحداثته وانتشاره ولمركزيته واستعماره وهيمنته ومحاولته القضاء على ثقافات الأطراف. فنسي الناس تاريخ التنوير وأنه حركة موجودة لدى كل شعب وفي كل حضارة بعد أن أصبحت الحضارة الأوروبية هي ممثلة الحضارات الإنسانية كلها. ففي الصين القديمة يمثل كونفوشيوس اتجاهاً تنويرياً داخل الحضارة الصينية. فقد أنزل الدين من السماء إلى الأرض، ومن عبادة آلهة تصورية إلى التفكير في أحوال الناس، وحوّل الفكر الصيني من الدين إلى الأخلاق، ثم من الأخلاق إلى السياسة. ونقل الممارسات الدينية والشعائر والطقوس من الخارج والأشكال والرسوم إلى الداخل والتقوى الباطنية. وقامت «التاوية» بنفس الشيء. فالدين فضيلة، والإيمان هو الطريق. وركزت «الشنتوية» على دين الدولة، وعبادة الإمبراطور، على الدين السياسي العلمي وليس على الدين العقائدي النظري وهذا كله اتجاه تنويري في فهم الدين. كما قامت البوذية في الهند بنفس الشيء عندما نقد بوذا تعدد الآلهة في الهندوكية من أجل الاستنارة الداخلية، وتحول من الطقوس والشعائر والممارسات الخارجية إلى حياة الفضيلة القلبية. وأصبحت البوذية مرادفة لحياة السلام الداخلي وطريق التسامح الإنساني وهي قيم فلسفة التنوير. بل إن «بوذا» يعني المستنير، كما تعني البوذية حياة الاستنارة. وكما أدت فلسفة التنوير إلى ثورة سياسية، كذلك أدت البوذية إلى ثورة روحية. فقد تنازل الأمير بوذا عن عرش أبيه كي يهيم على وجهه في الصحراء داعياً إلى حياة الفضيلة وطريق الخير. وفي فارس كانت «المانوية» حركة تنوير كذلك في صراع النور ضد الظلمة، والعلم ضد الجهل، والخير ضد الشر. كما تصورت الزمان ثلاث لحظات: الماضي والحاضر والمستقبل، ممهدة بذلك الطريق إلى فلسفة التقدم. وغايتها تحرير الفرد وإطلاق طاقاته الحبيسة من أسر الظلم والجهل والظُّلمة. والزرادشتية أيضاً حركة تنويرية تقوم على ثنائية مشابهة للمانوية، وتركز على الأفكار الخيرة، والأقوال الخيرة، والأفعال الخيرة، مستلهمة الخير في طبيعة الإنسان. وانتقل الدين في فارس من الطبيعة إلى النفس، ومن الكون إلى الإنسان، ومن الخارج إلى الداخل كما هو الحال في حركة التنوير. وفي بابل وآشور ارتبط الإله الواحد بالزراعة وبحقوق المزارعين. ولم ينفصل الدين عن حياة الناس بل كان ترجمة لهذه الحياة على مستوى العقائد. فالدين للحياة كما هو الحال في فلسفة التنوير. وخرجت العلوم الرياضية والفلكية من ثنايا الدين. فارتبط الدين بالعلم والعمران. وفي مصر القديمة كانت عبادة «آمون»، الإله الواحد، حركة تنوير أيضاً في دين مصر القديم، ونقلاً للدين من الخارج إلى الداخل، ومن الآلهة الرمزية إلى الاستنارة الداخلية، وتحقق الدين في الحقيقة والعدالة كمثل عليا للشعب، والتأكيد على قانون الاستحقاق في الدنيا والآخرة، وانبثاق العلوم الرياضية والطبيعة والفنون والآداب من ثنايا الدين. فالدين حضارة وعمران. ولدى اليونان عُرف عصر بركليس بأنه عصر التنوير حيث ازدهرت العلوم والفنون والآداب. فظهرت الفلسفة تنقل الفكر اليوناني من مرحلة الأسطورة إلى مرحلة العقل. وجاء السوفسطائيون للبحث في معاني الكلمات، ولتحليل اللغة، ولتوضيح الأفكار حتى يكون المجتمع أكثر دراية بلغته ومعاني ألفاظه وطرق استعمالها. واعتمدوا على وسائل الجدل وطرق البرهان. وحاورهم سقراط ليزيد من الإيضاح، وليحول هذا الجدل لصالح الفضيلة والأخلاق، وليثبت وجود المعاني المطلقة والمبادئ العامة والحقائق الثابتة. وأكد أفلاطون دور العقل في المعرفة الحقة بعيداً عن تغيرات الواقع الحسي. أما أرسطو فقد حلل الأفكار في التاريخ، ووصف تقدم الفكر اليوناني. واتجه إلى الطبيعة معتمداً على المعارف الحسية. فكانت الفلسفة اليونانية بكل اتجاهاتها نموذجاً للتنوير. وفي اليهودية ظهرت حركة التنوير مرتين، الأولى في الأندلس تحت حكم المسلمين والثانية في الغرب في فلسفة التنوير. ظهرت الفلسفة العقلانية لأول مرة في تاريخ اليهودية في عهد حكم المسلمين في قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة. فقد حاول الفلاسفة اليهود مثل سعيد بن يوسف في مصر وموسى بن ميمون في الأندلس تأسيس فلسفة عقلانية أسوة بالمسلمين، وتحدثوا عن الأدلة على وجود الله، وخلق العالم، وخلود النفس. وأسسوا قواعد عقلية منطقية لعلم اللغة، وأوّلوا النصوص الدينية. كما نشأ لديهم العلم الرياضي والطبيعي بعد إثبات قدرة العقل واستقلال الطبيعة واطراد قوانينها. والثانية في الغرب عند اسبينوزا ومندلسون والإصلاحيين. فرفض اسبينوزا عقائد اليهود حول «شعب الله المختار» و«أرض المعاد» والميثاق الخاص، وأثبت ميثاقاً أبدياً قلبياً أخلاقياً لكل فرد يدخله بإرادته الحرة وليس للجماعة العرقة مهما كان سلوكها وعصيانها. وطبّق اسبينوزا قواعد النقد العقلي على بعض الكتب المقدسة وأثبت تحريفها. كما رفض الحكم الثيوقراطي من أجل قيام حكم ديمقراطي، مواطن حر في دولة حرة. ونقد سيطرة الكهنة والأحبار على الدولة وتوسطهم بين الحاكم والشعب. وأقام الحكم على نظرية العقد الاجتماعي التي يكون الحاكم فيها ممثلا للشعب. وسار مندلسون في نفس التيار محكماً العقل في التراث اليهودي. واستمرت حركة التنوير في القرن التاسع عشر في اليهودية الإصلاحية التي ترفض الصهيونية، وتحيل اليهودية إلى تراث عقلاني روحي باطني. ولم يكن التنوير اليهودي قاصراً فقط على تراث اليهود في العالمين الإسلامي أو الغربي بل كان حركة دائمة منذ نشأة الدين اليهودي من أجل تأسيس الدين على أساس قلبي باطني بعيداً عن السلطة والكهنوت. وكانت الأسينية حركة تنوير قمته عند «فيلون» بفضل الفلسفة اليونانية. فأوّل التوراة تأويلا رمزياً بحيث تتفق مع قوانين العقل ومقتضى الأخلاق.