يتصرّف بعض المسؤولين في لبنان بطريقة لا تعبر عن إدراك الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية عن الجماعة. يتصرف وكأنه يمثل مصالح فريق سياسي معين. وكأن المؤسسات التي يشرف عليها هي مؤسسات خاصة موجودة وموجود هو على رأسها لخدمة طائفته أو مذهبه أو فريقه أو تياره أو عموماً مصالحه السياسية الخاصة. في وقت معين، ورغم مواقف عدد من الدول العربية من الحكومة اللبنانية والظروف التي رافقت تشكيلها، والتي ذهبت إلى حد تحذير رعاياها من المجيء إلى لبنان، كان ثمة حرص على البلد من قبل العرب رسميين وسياحاً ورجال أعمال. انطلقت عمليات الخطف وبات الشعور العام أن ثمة شركات خاصة تلبي طلبات الخاطفين، ويتقاسم هؤلاء مع مسؤولي هذه الشركات الحصص. طاول الخطف بعض العرب وخضعوا لابتزاز. ثم بدأ مسلسل قطع الطرقات وإحراق الدواليب وخصوصاً على طريق المطار. أدى ذلك إنكفاء القادمين إلى لبنان عن قدومهم إليه، حتى اللبنانيين الذين كانوا يريدون زيارة بلدهم الأم لم يفعلوا. وفي هذا التوقيت خرج بعض المسؤولين ليهاجم الدول العربية لا سيما دول الخليج الأخرى، أدى ذلك إلى موقف سلبي من الحكومة اللبنانية. والعرب يحبّون لبنان لكنهم فوجئوا بحملات لا تعبّر عن حرص لبنانيين على مصالح بلدهم. ضرب الموسم السياحي، تدنت نسبة النمو من 5 في المئة إلى 0.5 في المئة، تعب اللبنانيون. تراجع الوضع الاقتصادي، وقع خلاف حول سلسلة الرتب والرواتب للموظفين. خرج الموظفون في قطاعي التعليم الرسمي والخاص وقطاع الإدارة العامة إلى الإضراب المفتوح في مشهد لم نألفه منذ الحرب الأهلية في البلد. تأزمت الأحوال، شعر اللبنانيون بالقلق. المسؤولون الذين هاجموا الدول العربية في وقت ما، توزعوا فريقين، فريق ذهب يتودّد إليها، ويناشد سعد الحريري التدخل لديها لإقناع قادتها ومسؤوليها بدعوة مواطنيهم إلى المجيء إلى لبنان! وهذا الفريق يكره الحريري ويواجهه يومياً! فكان موقفه تعبيراً عن إفلاس سياسي حقيقي وليس عن حسّ بالمسؤولية أو رغبة في استنهاض كل الطاقات والإمكانات الوطنية لإنقاذ اقتصاد البلد والحفاظ على علاقات لبنان العربية والاستفادة منها. لأنه لو كان الأمر كذلك لما أقدم أصحاب هذه المواقف على التسبب بالأزمة أو بتفاقمها على الأقل من خلال تصريحاتهم وممارساتهم. ثم خرج الفريق الثاني من الوسط ذاته، ليرفع صوراً تسيء إلى إحدى الدول الخليجية، في وقت جاء من يدعو من صفوف هذا الفريق أيضاً إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن المركزي لإعطاء إشارة إلى الدول العربية بأن الوضع ممسوك في البلاد، وإلى إرسال وفود إليها لطمأنتها والتأكيد أن بإمكان الجميع القدوم إلى لبنان. لترجمة هذه «النوايا الصادقة»، ولإقران الأقوال بالأفعال، كان التدخل المباشر على الأرض السورية إلى جانب النظام السوري، وكانت تصريحات ضد الدول العربية ودفاعاً عن النظام. أرسلت دول الخليج تحذيرات غير مباشرة إلى الحكومة اللبنانية. ثم أوفدت أمين عام مجلس التعاون الخليجي، الذي زار على رأس وفد من سفراء دول المجلس رئيسي الجمهورية والحكومة، وكانت مواقف واضحة تحذر لبنان من الانعكاسات السلبية لخروجه عن سياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا. في هذا الوقت أطلق وزير الخارجية اللبنانية مواقف لا تنسجم مع سياسة الحكومة. ردّ عليه رئيس الحكومة بأن سياسة الحكومة يعبّر عنها رئيسها. وإذا كان ثمة من لا تعجبه سياسة النأي بالنفس بإمكانه الاستقالة، ذهب الوزير إلى القاهرة، وقال كلاماً أثناء وجود وفد مجلس التعاون في بيروت، دعا فيه الجامعة العربية إلى رفع تعليق عضوية سوريا في مجلسها! وكانت ردود عربية عليه، وحملة كبيرة في لبنان. وترك الأمر انعكاساً سلبياً على مصالح لبنان، وعلاقاته ومواقفه وعلى مصالح اللبنانيين! مثل هذه التصرفات ستترك آثاراً سلبية كبيرة، ويخطئ من يعتقد أنه من خلالها يمكن أن يحقق مصالح فريق داخلي أو يحقق محوراً خارجياً يدافع عن النظام في سوريا. هذا وهم. حتى ولو كان ثمة رأي يقول إن كل ما يجري في لبنان اليوم في هذا الاتجاه يعّبر عن اندفاعة إيرانية – سورية في لحظة بدا فيها الخلاف العربي- الأميركي واضحاً من الحدث السوري، والتراجع الأميركي واضحاً، والحوار الروسي- الأميركي متقدماً، والسعي الأميركي لتخدير إسرائيل لتغطية هذا الحوار، مقابل إطلاق يدها في فلسطين وتقديم كل الدعم لها، وفي ظل الخلاف العربي- العربي، حتى لو كان الأمر كذلك، فهذا لن يدوم. تقدّم قوات النظام في سوريا في مناطق يوازيه تقدّم قوات المعارضة في مناطق أخرى. هي لعبة الجولات العسكرية المفتوحة التي تذكر بما كان يجري في لبنان. وهي تحصل على وقع الحركة السياسية الإقليمية والدولية، لكنها لا تؤدي إلى غلبة هذا أو ذاك الآن. النتيجة الواضحة تدمير سوريا، وإبقاء الصراع قائماً إلى أن تأتي لحظة التسوية بين أصحاب القرار الذين يديرون اللعبة، وقد بدأ الحوار بينهم حول كل القضايا التي تتجاوز سوريا. من الدرع الصاروخية، إلى النفط والغاز، إلى الملف النووي الإيراني، وتوزيع أدوار ، ومواقع، ومصالح هؤلاء في المنطقة وغيرها من المواقع في العالم. المهم، إن ما يجري من تدخل لبناني في سوريا من هذا الفريق أو ذاك، ومن تهوّر سياسي في الإندفاع ضد العرب والخروج عن سياسة النأي بالنفس والتوهم بأن الظرف يسمح بقلب المعادلات وكسر التوازنات وتحقيق المكاسب، كل ذلك لن يؤدي إلا إلى نتائج سلبية على المستوى اللبناني العام. وقد بدأ كثيرون يتحدثون عن أولوية الاستقرار. ويخوّفون الناس بالفتن المتنقلة، وبالأحداث الأمنية المرتقبة، وبالفلتان والفوضى في وقت كنا فيه أمام فرصة تحدثنا عنها مراراً، وهي أن العالم لا يريد تفجيراً في لبنان. ها نحن اليوم نرى بعض اللبنانيين يدفعون إلى إنجاحه عن قصد أو غير قصد ويكاد البلد ينزلق إليه! كأن ما ذكرناه لا يكفي، حتى يخرج بعض متعاطي السياسة إلى نكئ جراح الحرب ونبش القبور والتحريض الطائفي واستخدام كل ما يستفز مشاعر لبنانيين مختلفين معه في السياسة. إنهم يفتحون الذاكرة على أبشع أيام الحرب فقط من أجل تعبئة الناس وتحريضهم تحت عنوان مصالح الطائفة ورفع الغبن عنها، مما يؤدي إلى مزيد من التفتت المذهبي والطائفي في البلاد، وإلى إطلاق العنان للغرائز والخطابات المؤذية، وصولاً إلى جزم البعض بأن الانتخابات لن تكون في موعدها... كل ما يجري في لبنان مخالف للمنطق في محيطه ثورات وتحركات تدعو إلى التغيير في اتجاه الديموقراطية واعتماد الانتخابات وضمان الحريات، وهي الميزات التي طبعت الحياة السياسية اللبنانية وجذبت «التغييريين» في العالم العربي إليها. وبغض النظر عن نجاح أو عدم نجاح تجارب بعضهم هنا أو هناك، فإن لبنان كان النموذج الذي يحتذى به اليوم الآخرون يستمرون في السعي إلى حلمهم والوصول إلى هذا النموذج ولبنان يتراجع عنه! ما يجري اليوم يطيح بالإنجازات التي تحققت ويهدّد الأحلام التي لا نزال نتطلع إلى تحقيقها! إنها خطايا وأوهام مكلفة سندفع ثمنها جميعاً. ـــــــــــــــــــــــ غازي العريضي وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني