لقد وصف الرئيس بوش أفغانستان، باعتبارها خط المواجهة الأول في الحرب على الإرهاب، بأنها ناجحة. ربما يكون هذا الوصف صحيحا بالمقارنة مع العراق. ولكنك ما أن تنظر إلى أفغانستان، بعيدا عن أية مقارنات أخرى، فإنك ستتأسى لبطء ما تحقق من تقدم هناك. نذكر أن الرئيس بوش كان قد وعد في عام 2002 بتطبيق "خطة مارشال" على أفغانستان، بغية تحويلها إلى دولة آمنة، مستقرة وديمقراطية. وفي خطابه الذي ألقاه مؤخرا يوم الثلاثاء الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال بوش إن الشعب الأفغاني قد سلك طريقه باتجاه الديمقراطية والحرية. ولكن الذي حدث حقيقة، هو أننا قد عجزنا، على الرغم من مضي ما يقارب الثلاث سنوات على غزونا لأفغانستان، عن تحقيق الاستقرار واستتباب الأمن، والرفاه وحكم القانون الذي وعدنا به الأفغانيين.
ويكمن جذر المشكلة، في أننا غزونا أفغانستان لكي ندمر كلا من تنظيم القاعدة وحركة طالبان. غير أننا لم نفكر بما فيه الكفاية، في ما الذي سوف يحل محل الفراغ الذي سوف يتركانه. ففي الوقت الذي انصبت فيه كل جهودنا على محاربة الإرهاب – مع أن أداءنا في هذه الجبهة يظل موضع سؤال كبير- تحولت أفغانستان في المقابل إلى بؤرة واسعة لاقتصاد الأفيون، الذي يسيطر عليه، ويديره لوردات الحرب، علما بأن عائدات هذه التجارة تصل إلى مليارات الدولارات سنويا. نذكر هنا أننا كنا قد دعمنا ومولنا وسلحنا الجيوش التابعة للوردات الحرب هؤلاء منذ عدة عقود خلت، على رغم علمنا بأن لبعضهم سجلا معروفا في تجارة الأفيون والمخدرات، وانتهاك حقوق الإنسان. ولم نكتف بذلك فحسب، بل كنا عائقا أمام نشر قوات أمن دولية، كان يفترض فيها أن تسود الساحة الأمنية الأفغانية، محل مليشيات لوردات الحرب المسيطرة الآن.
وهاهي نتائج كل تلك السياسات، تتبدى واضحة للعيان. ففي هذا العام، لقي عدد أكبر من أفراد القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي، مصرعهم، قياسا إلى العامين الماضيين. وفي الصيف الحالي، اضطرت منظمة "أطباء بلا حدود" للانسحاب من أفغانستان، بعد مدة خدمة إنسانية استمرت لأربع وعشرين سنة، شملت ضمن ما شملت أقسى وأخطر الظروف الأمنية التي مرت بها أفغانستان، في ماضي الاحتلال السوفييتي والحروب الأهلية الطاحنة التي شهدها ذلك البلد في تاريخه القريب. كما تعرف هذه المنظمة بعملها ومثابرتها على تقديم خدماتها، في أكثر مناطق العالم خطورة واضطرابا أمنيا. وإن كانت قد اضطرت لاتخاذ هذه الخطوة اليوم، فإن ذلك لا يعني شيئا سوى شعور المنظمة، بأن أفغانستان، هي الآن أكثر خطورة من ذي قبل، على رغم من مضي ثلاث سنوات على الاحتلال الأميركي الدولي. وفي الشهر الماضي، وعلى إثر هجوم بالقنابل على مكتب الأمم المتحدة المخصص لتسجيل الناخبين الأفغان، دعا نائب رئيس اتحاد موظفي الأمم المتحدة، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى سحب موظفي المنظمة الدولية من هناك، حفاظا على سلامة أرواحهم. إلى ذلك، فقد بقيت تجارة الأفيون في أفغانستان، خارج نطاق السيطرة، مع العلم بأن هذه التجارة هي التي تمول الإرهاب وتشعل نيرانه، وتعمل على إشاعة أجواء الفوضى وحكم اللاقانون. وإذا كانت عائدات هذه التجارة قد بلغت في العام الماضي وحده 2.3 مليار دولار، فإن المتوقع لها أن ترتفع هذا العام، إلى نسبة تتراوح ما بين 50 إلى 100 بالمئة من تلك العائدات.
وفي أجواء تواصل الهجمات الإرهابية والمواجهات المسلحة بين مليشيات وفصائل لوردات الحرب الإقليميين، تستعد أفغانستان لخوض انتخاباتها الرئاسية العامة في التاسع من شهر أكتوبر المقبل. وفي تقرير صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة، حذرت المنظمة الدولية من أن لوردات الحرب، يشيعون مشاعر الخوف والذعر بين الناخبين الأفغان. وفي الاتجاه ذاته، قالت " منظمة الأمن والتعاون الأوروبي" إن مراقبة الحملة الانتخابية الأفغانية المقبلة، سوف تكون محفوفة بالكثير من المخاطر الأمنية- على رغم أن المنظمة المذكورة، عرفت بجرأتها وأداء مهامها الرقابية في بؤر اضطرابات أمنية ساخنة من قبل، مثل كوسوفا والبوسنة وغيرهما. بدلا من وجود واسع لمراقبيها في تلك الانتخابات، رأت المنظمة أنه ربما كان أدعى للسلامة، إرسال فريق محدود للمساعدة في إجراء الانتخابات هناك. يلاحظ أيضا أن الرئيس الأفغاني الحالي، حامد قرضاي، قد أفلت بأعجوبة من محاولة اغتيال محقق دبرت له أثناء جولته الانتخابية الأولى خارج العاصمة كابول. ليس قرضاي وحده هو المستهدف، بل إن ثمانية من المرشحين للمنصب الرئاسي دعوا إلى تأجيل موعد الانتخابات، نظرا للخطورة الأمنية المحيطة بحملتهم الانتخابية في ظل الظروف السائدة الآن.
صحيح أن إنجازات كبيرة ومهمة قد تحققت في أفغانستان خلال الثلاث سنوات الماضية. من بينها أن نظام طالبان قد ولى دون رجعة إلى جهاز الحكم الأفغاني. كما ولت معه القواعد والمزايا التي كان يتمتع بها تنظيم القاعدة هناك. كما عادت آلاف الفتيات إلى مدارسهن. هذا علاوة على إعادة بناء بعض الطرق والمنشآت والمرافق الخدمية