كانت إدارة بوش قد أملت في أن يسفر تغيير النظام في العراق، عن تحول ديمقراطي على نطاق الشرق الأوسط كله، ولكن فإن العكس تماما هو الذي يجري في الواقع. ذلك أن الحركات الإصلاحية تشهد تراجعا في المنطقة كلها في الوقت الحالي على الأقل على رغم الوعود التي قدمتها إدارة بوش. فمع طغيان المشاعر المعادية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، بما في ذلك الارتباط بأجندتها الخاصة بعملية التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، فإن ذلك مؤشر على نهاية مشروعية الكثير من هذه الجماعات الإصلاحية. مثالا على ذلك، انظر إلى مأزق الإصلاحيين في إيران. فبعد مضي سبع سنوات على الفوز الكاسح الذي حققه الزعيم الإصلاحي محمد خاتمي غداة وصوله إلى منصب رئاسة البلاد، تمكنت المؤسسة الدينية المحافظة القابضة على جهاز الدولة الإيرانية، من تحييده، مجهضة بذلك أكثر الحركات الإصلاحية ديناميكية وثراء فكريا في المنطقة بأسرها. هذا ولا تزال تلك المؤسسة تحظى بالصلاحيات الأوسع في جهاز الدولة.
وما من سبيل للالتفاف على حقيقة أن المأزق الذي تواجهه الحركة الإصلاحية، قد آل إلى ما آل إليه، نتيجة لمظاهر العنف وانعدام الاستقرار التي رافقت المشروع الأميركي لبناء الديمقراطية في العراق. فقد أحدث الغزو وما بعده صدمة عميقة لعامة الشعب الإيراني، الذي لا يخفي هواجسه إزاء فكرة التغيير الراديكالي، في الوقت ذاته الذي أنهكته فيه الوعود السراب، بإمكان إجراء إصلاحات خاطفة سريعة للأوضاع القائمة. ليس هناك ما يحمل على الاستغراب إذن، أن يخفت صوت الإيرانيين المنادين بالإصلاح نوعا ما، خلال الأشهر القليلة الماضية، وأن يلمحوا إلى مطالبتهم بالإصلاح من الداخل، إلى جانب خضوعهم الحذر والمتردد لسطوة المحافظين، الداعية لوحدة وانسجام الصف الداخلي الإيراني. وبالنسبة للكثير من المواطنين الإيرانيين- بمن في ذلك النخبة الإيرانية- فإن مستوى عدم الاستقرار الذي يشهده العراق، ليس ضريبة مقبولة، ينبغي على الشعوب دفعها مقابل حدوث الإصلاح السياسي في بلادهم.
وقد أتاح غزو كل من أفغانستان والعراق- وهما دولتان مجاورتان لإيران- فرصة ذهبية للجماعات الدينية المتشددة في طهران، لتحييد القطاع الأوسع من الجمهور الإيراني، سياسيا ونزع حماسه للإصلاح السياسي. وكان ذلك هو سر فوزهم في الانتخابات البرلمانية التي جرت في وقت مبكر من العام الحالي. فقد استغل المحافظون عددا مقدرا من الشعارات التي يرفعها الإصلاحيون، وخاضوا حملة انتخابية، هدفها وضع حد للسياسة التناحرية في البلاد، وإصلاح الاقتصاد الوطني. واليوم فهم يسيطرون على مقاليد الدولة فعليا، إضافة إلى ثقتهم الكبيرة بأن منصب الرئاسة سيؤول إليهم في الانتخابات المقبلة، التي ستجرى في صيف العام القادم 2005.
فما الذي ينبغي على الولايات المتحدة فعله؟ يلاحظ أن هذه الأخيرة، كانت قد واصلت نهج سياسة الاحتواء إزاء طهران، خلال العقدين والنصف الماضيين. وتلك سياسة لم يكتب لها نجاح في الماضي، ولن تحققه في المستقبل أيضا. فهي لم تؤثر بأية درجة على السياسات الداخلية الإيرانية، كما لم تسفر بأي قدر عن حفز التحول الديمقراطي هناك. فآفة هذه السياسة تكمن في اعتمادها على فرضية مشكوك في صحتها، مفادها أن دبلوماسية الإكراه وفرض طوق العزلة الدولية على "محور الشر"، من شِأنهما أن يرغماها على تبني خيار التغيير. ولكن الحقيقة هي أن معظم ما حدث من تغييرات في السياسات الداخلية الإيرانية، كان نتيجة لنمو نظام الحكم نفسه، أو استجابة للضغوط الديموغرافية الداخلية. وبسبب العقوبة المستمرة التي ظلت تفرضها الولايات المتحدة على طهران، باعتبارها منبت الخطر الأمني على المنطقة، فقد كفت واشنطن عن بلورة سياسة فاعلة وبناءة تجاه إيران، معطية بذلك فرصة لا تعوض لبعض العناصر هناك، لاستغلال مشاعر الانتماء الوطني لدى الجمهور الإيراني.
ومما لا شك فيه، أن في اتساع الطبقة المتوسطة، والمجتمع المتعلم، الأكثر فأكثر ارتباطا واندماجا في الاقتصاد العالمي، يكمن الضمان المطلوب لإحداث التحول السياسي والاجتماعي السلمي. وكل هذه المؤشرات موجودة ويمكن ملاحظتها بوضوح في تركيبة المجتمع الإيراني. غير أن هذه المقومات، لن يتم حفزها بسياسة العزلة والاستئساد التي لا تزال تتبعها واشنطن. والحقيقة، فإنه من المستحيل أن ينجم الإصلاح السياسي وبناء المجتمع المدني عن غزو الدول، ولا إسقاط أنظمتها. بدلا من ذلك، فإن في وسع علاقات التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي وغيره، بين إيران والولايات المتحدة، من شأنها أن تكون حافزا أكثر فاعلية للتحول الديمقراطي وترسيخ الأمن والسلم الدائمين. وقد آن الأوان كي تقر واشنطن حقيقة أن الجمهورية الإسلامية ستبقى في المستقبل القريب المنظور، شاء ذلك البعض أم أبوه. كما حان الوقت أيضا، لأن تدرك الولايات المتحدة، أن هذه الجمهورية، تعتبر لاعبا أساسيا في المنطقة، وأنه بدونها يتعذر تحقيق الاستقرار الإقليمي المأمول في المنطقة. وعليه، وفيما لو كانت و