نظمت سويسرا مؤخراً استفتاء صوت فيه معظم الناخبين على منح أصحاب الأسهم في الشركات والبنوك حق "الفيتو" للاعتراض على الرواتب والعلاوات، وبقية التعويضات الأخرى التي يتقاضاها كبار المديرين وأعضاء مجالس الإدارة، وبمقتضى الاستفتاء سيمنع المديرون من الحصول على تعويضات لدى توظيفهم، كما أن صناديق المعاشات التي تملك أسهماً في الشركات ستكون ملزمة بالمشاركة في تحديد تلك التعويضات، وفي حال انتهاك هذه القواعد الجديدة التي نص عليها الاستفتاء، سيتم فرض غرامات مالية تصل قيمتها إلى ست سنوات من الراتب، بالإضافة إلى عقوبة حبسية تمتد إلى ثلاث سنوات، ولإعطاء هذه القواعد قوة إضافية سيتم تضمينها في الدستور السويسري، بحيث يبدو أن السويسريين مصممون على إحداث تغيير ثوري في الطريقة التي تدار بها الشركات الأوروبية الحديثة، وفي الطريقة التي توزع بها الأموال، وهو المطلب الذي يستند إلى أساس أخلاقي واضح. وفي الاستفتاء صوتت أغلبية الشعب السويسري في المقاطعات المختلفة التي تتمتع بشبه حكم ذاتي على القوانين المنظمة للقطاع المالي، بنسبة وصلت إلى 68 في المئة، الأمر الذي يعكس تململاً واضحاً من قبل المواطنين السويسريين من الممارسات الحالية للشركات السويسرية والمؤسسات المالية، على رغم أن البلد لم يكن معروفاً بتلك الممارسات المتهورة والمخلة بالاقتصاد على غرار بلدان أخرى، مثل بريطانيا والولايات المتحدة. والحقيقة أن السويسريين ليسوا الوحيدين المنزعجين من ممارسات القطاع المالي التي تتميز بطمع بعض المديرين والتعويضات المبالغ فيها، فهناك أيضاً اللجنة الأوروبية من خلال وكالتها التنفيذية التي يمثل اقتصاد دولها مجتمعة إحدى الكتل المهمة في العالم، حيث سددت ضربة قوية إلى الممارسات المالية والقطاع المنفلت الذي تسبب في الأزمة الاقتصادية الأخيرة. فقد قررت اللجنة الأوروبية تحديد سقف للتعويضات والرواتب التي يتقاضاها المديرون في الشركات والمؤسسات المصرفية داخل الاتحاد الأوروبي، وحتى المديرون الذين يعملون في الخارج لحساب بنوك تتخذ من الاتحاد الأوروبي مقراً لها تنسحب عليهم هم أيضاً تلك القرارات، بحيث لا تتجاوز التعويضات السنوية التي يحصل عليها هؤلاء المديرون مجموع الراتب السنوي، ولا يمكن استثناء بعضهم إلا بموافقة أصحاب الأسهم في البنوك، على ألا تتجاوز ضعف الراتب السنوي الإجمالي في جميع الحالات. وإذا كانت التعويضات التي يحصل عليها الموظف العادي في الشركة تعكس أداءه ومدى استحقاقه بدلاً من التنافس الذي يطغى على المديرين في الشركات الكبرى ومحاولة تعزيز "الأنا" لديهم، فإن الأغنياء اليوم تحولت عندهم التعويضات إلى شبه مكاسب تتم عادة إضافتها إلى الراتب، أو توزع في شكل أسهم وحصص يحصل عليها المديرون في الشركات والمؤسسات المالية، والتبرير الذي يساق عادة لهذا أن هناك ضرورة لمكافأة المدير حتى لا يترك الشركة وتفقد بذلك موهبة قل نظيرها. ولكن الحقيقة أن هذا التبرير مجرد لعبة تستخدمها الشركات بدليل أن التعويضات تمنح ليس فقط في حالات الحفاظ على مدير متميز، بل حتى عندما يقال أحدهم فتلجأ الإدارة إلى ترضيته للمغادرة! ولكم أن تتصوروا وقع مشروع القانون الأوروبي الذي يرمي إلى الحد من التعويضات الخيالية والمبالغ فيها للمديرين على الحي المالي في لندن، أو على الحزب المحافظ البريطاني، وحتى على نيويورك. وفي ظل هذه التحولات الجارية على الصعيد الأوروبي والرامية إلى الحد من غلواء القطاع المالي وتغول بعض مديريه الذين يحركهم في أحيان كثيرة الجشع، فإنه من الصعب تصور بقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي، ولاسيما إذا ما أُقر مشروع القانون من قبل وزراء المالية الأوروبيين والبرلمان الأوروبي، فرئيس الحكومة، ديفيد كاميرون، سبق أن تعهد لأسباب سياسية متعلقة بالصراعات الحزبية والخلافات داخل حزبه، بتنظيم استفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، أو الخروج منه. ولئن كان الاعتقاد السائد لدى المراقبين والصحفيين بأن بريطانيا لن تستطيع تفهم القيود الجديدة على القطاع المالي، ومن ثم ستفضل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، إلا أن هناك عاملاً آخر قلما انتُبه إليه يتمثل في الضمير الأخلاقي للرأي العام ليس فقط في بريطانيا، بل حتى في الولايات المتحدة، وانزعاج الناس المتزايد من التعويضات الكبيرة التي يحصل عليها المديرون والفوارق الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، ولاسيما في الولايات المتحدة، وهذا الجشع ولد نفوراً لدى الرأي العام الغربي، وبخاصة في أميركا التي كانت وراء انفلات القطاع المالي من السيطرة لتدفع الثمن في تنامي الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وتدل على ذلك الإحصاءات التي تقول إن نسبة ارتفاع الدخل الفردي الأميركي منذ 2008 لم تتجاوز 1,4 في المئة سنوياً، في حين زادت أرباح الشركات بأكثر من 20 في المئة سنوياً. ومع أن بعض المراقبين يسعون إلى تبرير هذا الجري وراء الأرباح والمبالغة في الحصول على التعويضات بعوامل ثقافية راسخة في اللاوعي الأميركي ترجع إلى العقيدة البروتستانتية التي تعلي من شأن النجاح المادي، إلا أن العامل الأهم يتمثل في احتجاج فئات واسعة من المجتمع الأميركي على الفوارق الطبقية، وتأثيرات العولمة، وتآكل القطاع الصناعي الذي فر إلى الخارج، وكل ذلك ولد ردة فعل سلبية من الرأي العام تجاه الحكومة وقوانينها التي إنما تخدم في نظرهم الطبقات المرفهة من المجتمع، وهو ما انعكس في تيار حركة حفل الشاي الذي جاء تمرده عكسياً، إذ بدلاً من دعم الحكومة والوقوف إلى جانبها في الضرب على أيدي القطاع المالي وتنظيمه، قرر أن يثور على الحكومة نفسها رافضاً تدخلها مهما كان مفيداً ليظل بذلك وفقاً لقيم المسيحية البروتستانتية القديمة. ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"