انعقد المؤتمر السنوي للحزب الوطني الحاكم بمصر، وطرح أمين السياسات فيه جمال حسني مبارك أفكاراً وبرامج إصلاحية، فردَّت المعارضة المصرية ببرنامجٍ مضادّ يدعو لإلغاء قانون الطوارئ، وإطلاق الحريات، وقانون انتخابي جديد. وفي خضمّ التجاذُب حول أفكار وخطِط الإصلاح، كان هناك مَنْ كتب إنّ قصد المعارضة إنما هو إلغاء الدولة وإسقاطها. وقد قال الشيء نفسه أهل النظام في السودان في مواجهة معارضة حزب حسن الترابي، الذي اتهموه بمحاولة القيام بتمرد مسلَّح، وبتحريض المتمردين(من حركة العدل والمساواة) في دارفور على إسقاط النظام، وهدم الدولة. وقيل الشيء نفسه أيضاً للمُعارضين في موريتانيا،واقترن ذلك باتهامهم بمحاولة قلب نظام الحكم. وفي لبنان، تصاعدت يوما الأربعاء والخميس من الأسبوع الماضي أصواتُ الناقمين على معارضة النائب والوزير السابق وليد جنبلاط وعشرات من النواب ورجالات الأحزاب، التمديد للرئيس لحود، والنيلَ من التأثيرات السياسية والأمنية للسوريين في لبنان. قال الناعون على جنبلاط إنه تجاوز في معارضته كلَّ حد، وهدَّد بذلك الاستقرارَ والنظامَ والدولة، وتجاهل المصالح القومية للبنان وسوريا في هذه الظروف الصعبة، ووسط التآمر الدولي على العرب والمسلمين. والاتهامات التي تتناول المعارضين السعوديين لا تختلف عن ذلك في المآلات،وإن اختلف التعبير عنها؛ إذ إنّ اللغة هناك ما تزال تقليدية، وتتضمن اتهام المعارضين بتحدّي وليّ الأمر، ومحاولة إحداث انقسام وفتنة، وزعزعة الاستقرار في أرض الحرمين، والاستعانة بالأجانب من أجل البلبلة وإساءة سُمعة النظام والدولة.
التهمتان الرئيسيتان اللتان يُواجَهُ بهما المعارضون إذن:الإساءة إلى الاستقرار وتهديد نظام الدولة، والعمل مع الأجنبي أو الاستعانة به للوصول إلى ذلك. بيد أنّ فحصاً دقيقاً للتهمة الأولى، يفيد بأنّ هذه الإساءة للاستقرار تحتاج لوسائل وآليات، من مثل التظاهُر، وعقد الاجتماعات الاحتجاجية ،وتنظيم الإضرابات، والتسلل إلى قوى الأمن والجيش، أو الاستحصال على السلاح، إذا كان التغيير المُراد بالقوة.ولاشيء من ذلك يحدُثُ في عوالم المعارضات العربية في الواقع. إذ إنه باستثناء لبنان-حيث اجتمع معارضو الرئيس لحود في فندق، وما زاد عددهم على المائتين-يقتصر الأمر على تصريحاتٍ لا تنشرها أكثر وسائل الإعلام. فزعيم الإخوان المسلمين المصريين مَثَلاً لا يستطيع حتى التصريح في الصحف المحلية المصرية، فضلاً عن إمكان الظهور في التلفزيون. ولذلك ليس للاتهام بالإساءة للاستقرار أيّ سندٍ في الواقع،إلاّ إذا اعتبرنا أنّ تصريح المعارض بأمرٍ،كفيلٌ بتجييش الشارع وزعزعة الاستقرار. وقد مضى الزمان الذي كان فيه المعارضون يملكون أنصاراً في الجيش وقوى الأمن. كما مضى الزمان الذي كان فيه الضباط يقومون بالانقلابات. وليست لقادة المعارضة، وزعماء الأحزاب سمعةٌ شعبيةٌ كبرى. ووليد جنبلاط نفسه، عندما أراد إبراز قوته الشعبية الاسبوعَ الماضي ذهب إلى قصره بالمنطقة الدرزية، وجمع ألوفاً من الدروز من حوله حيث تصاعدت الأصواتُ الهاتفةُ بحياته. لكنّ الطائفة الدرزية-حتى لو اجتمعت كلّها من حول جنبلاط-لا تستطيع إحداث تغييرٍ بحجم إسقاط رئيس الجمهورية أو إحداث الاضطراب. وجنبلاط وأمثاله نادرون في الوطن العربي الآن، باستثناء ما يقال من شعبيةٍ واسعةٍ للمعارضيين من الإسلاميين. وكان الإسلاميون الأردنيون،المعارضون للاتفاقيات مع إسرائيل، يجمعون بضعة آلاف في تظاهراتٍ لدعم القضية الفلسطينية، وبموافقة القوى الأمنية. لكنّ ذلك لم يَعُدْ مُتاحاً الآن، على الرغم من أنّ هؤلاء ليسوا من معارضي النظام في الواقع. وقبل أسبوعين انزعجت قوى الأمن من بعض خُطَب الجمعة، فأغارت على بعض قادة الإسلاميين ليلاً، وقبضت على أفرادٍ منهم، فما حرَّك أحدٌ في الشارع ساكناً. وأُريدُ من وراء هذا التطويل الوصول إلى أمرين؛ أولهما أن المعارضين من داخل النظام لا يستطيعون زعزعة الاستقرار ولو أرادوا؛ وثانيهما أنّ هؤلاء لا يبعثون على الخوف، لأنهم لا يشكّلون بدائل للنظام القائم. أما الجزء الآخر من التهمة: تهديد نظام الدولة أو الدولة والنظام، فهو مربط الفَرَس، وذلك لأنّ الذي يحدُثُ على العكس في آثاره. فوجود المعارضة التي تستطيع الكلام والتجمهر تشكّلُ دعماً للدولة والنظام في الداخل والخارج. إذ إنّ الكلام العلنيَّ المنشور أو المسموع متنفَّسٌ لا غنى عنه للمثقفين وللجمهور، ويستطيع النظام أن يحتجَّ به لدى الخارج، فيُثبت وجود الحريات، وقدرة المعارضة على التحرك ضمن القانون. ومن جهةٍ أخرى: كيف يستطيع راشد الغنوشي إسقاط نظام الحكم التونسي بتصريحٍ أو محاضرة؟ وجودُهُ في المنفى بلندن أكثر ضرراً لمظهر النظام ومنظره من وجوده وكلامه بتونس تحت سمع السلطات وبصرها. وتبقى فكرةُ الدولة التي لا تتهددُ فعلاً بتصريحات المعارضة، لأنُ الدولة في وجودها المستقرّ والثابت(وليس النظام) تحظى بدعم الجمهور وحمايته، والذي يخشى على مصالحه من الاضطراب، مثل خشية النظام أ