تصريح أحمد عارف؛ المتحدث باسم «الإخوان المسلمين» في مصر، والذي نشره موقع جريدة الأهرام ولكنه رجع وسحبه من موقعه الأسبوع الماضي والذي أكد فيه المتحدث تسمية «الخليج الفارسي» بدلا من الخليج العربي يرتقي إلى مرتبة التشكيك في حقيقة مواقف «الإخوان» الحقيقية في مواجهة إيران سواء فيما يخص قضية أمن الخليج وفي القضايا الأخرى التي هي محل خلاف مع إيران سواء احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى أو عروبة الخليج وتدخلاتها السياسية. ينحاز الإيرانيون إلى تسمية «الخليج الفارسي»، في حين أن هذه التسمية هي محل جدل بيننا وبين إيران باعتبار أصل الخليج عربياً. وقد شهد الخلاف على هذه التسمية شداً وجذباً بين السياسيين والباحثين وحتى الإعلاميين، بل منعت مجلات وكتب لا تكتب تسمية الخليج وفق موقف كل دولة منها. قد تكون هذه التصريحات في جانب آخر منها الدليل القطعي لما يعتقده البعض بأن طبيعة الفكر «الإخواني» عدم المصارحة بما ينوون فعله، وبالتالي فإن مواقفهم ضد إيران غير حقيقية، ويمكن أن تتغير مستقبلًا خاصة أن «الإخوان» لم يعتذروا عن تلك التصريحات، ولم يبددوا مخاوف أهل الخليج ولا العرب من استخدام هذه التسمية، وهم يعرفون ما تعنيه الكلمة في التعامل مع السياسة الإيرانية، وقد تكون تلك التصريحات دليلاً أيضاً على أن الانتماء السياسي لكل الحركات الدينية بمختلف طوائفها تلتقي في ناحية الولاء السياسي الذي يتعدى حدود الدولة. مفهوم الولاء لدى «الإخوان» يتجاوز حدود الدول والثورة الإيرانية معنية هي الأخرى بإرسالها إلى الخارج سواء إلى الخليج أو بعضها، وبالتالي فإن التلاقي في الولاء قد يسبق أي شيء آخر، وهذا الأمر بالتأكيد لا يبعث على الارتياح بالنسبة لنا في الخليج. لا يمكن أن ننظر إلى تلك التصريحات ببراءة، ودون أي شك مقصود فيها سواء لاعتبارات متعلقة بتوتر العلاقات بين «الإخوان» ودول الخليج، وبالتالي فإن ما قاله أحمد عارف يندرج تحت بند رسالة سياسية لأهل الخليج، فهذا على الأقل ما يتبادر إلى ذهننا عند قراءتها كما يتبادر إلى الذهن تلك الخلفية التاريخية لـ«الإخوان» في اللعب السياسي، وبالتالي فإن إمكانية أو محاولة استمالة إيران من منطلق أنها الدولة التي يمكن أن تقدم لهم المساعدات المالية، وأن استخدام تلك التسمية، هو من باب مغازلتها أمر أيضاً لا يمكن استبعاده، خاصة وأننا نرى أنهم يعقدون صفقات «مالية» مع مسؤولي النظام السابق. إذا الفكرة أنهم لديهم استعداد كامل لتغيير مواقفهم والتنازل عنها في سبيل مصالحهم، وللأسف هذا ما فعله «الإخوان» مع الشعب المصري بعدما وعدوهم وبمجرد وصولهم للسلطة تغير كل شيء. لو دققنا في التصريح سنجد أن المتحدث باسم «الإخوان» تناسى متعمداً أن هذه التسمية ليست خليجية فقط، ولكنها تشمل العرب جميعاً، وأن المصريين هم أكثر من دافعوا من أجل البقاء على أن يكون الخليج عربياً، وليس فارسياً، وبالتالي فهم لم يسيئوا فقط لدول الخليج، بل للدول العربية كلها، بل إنه قدم خدمة سياسية كبيرة للنظام الإيراني طالما تمناها من العرب. ولكن ما يشعرنا بالحزن والأسى أن يأتي شخص محسوب على من يحكمون أكبر دولة عربية، ويفترض أنه يدرك تماماً الموقف السياسي لدولته وشعبه على مر التاريخ، ويعي علاقاتنا مع إيران، وينهي ما كان يفترض أنه خلاف أزلي، ثم يحدث، بدلاً من ذلك- شرخاً في إجماع عربي، وفي تصريحات لمسؤولين في بلاده من «الإخوان» أنفسهم. يحتار المرء في الاقتناع من المواقف السياسية لـ«الإخوان»، بل ويجد صعوبة كبيرة في إقناع نفسه بجدوى تلك المواقف ربما أنه لامس شيئاً في مواقفهم السابقة التي لا تجعلك تطمئن كثيراً فيها. وإذا أوجدنا لهم العذر في السابق من ناحية ادعاءاتهم بأنهم كانوا يواجهون قيوداً في الحركة السياسية لكن عندما يفترض أنهم يمثلون مصالح دولتهم تستغرب دفاعهم عن سياسات لا تخدم أوطانهم. لا أعتقد أن هناك مصلحة للسياسة المصرية مع دولة مثل إيران وهذا الأمر واضح للشعب المصري الذي كان صريحاً مع نجاد في زيارته لمصر، ولكن المعيار الذي ينطلقون منه في تقييم مواقفهم بعيدة عن أن تكون وطنية، وتندرج تحت الانتماء الحزبي بغض النظر عن الاختلاف في الطائفة. الخوف أن تمتد مسألة التنازل لإيران، إلى الملفات العربية في نهج «الإخوان»، وبالتالي التقارب مع طهران، يكون ذلك على حساب النهج العربي عموماً. فما قاله أحمد عارف خطأ سياسي لا يمكن تبرئته، ولا يمكن اعتباره غير مقصود، لأن ما فعله خالف كل المواقف السياسية التي سبقته في تأكيد عروبة الخليج، وكذلك كل المساعي العالمية والخلافات مع المنظمات والدول الكبرى على التسمية، كما أنه ظلم لجهود الباحثين والأكاديميين ممن قدموا بحوثهم في تأكيد ذلك. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يخفف من صعوبة ذلك الموقف الغريب، والذي برره فريق التحرير في جريدة الأهرام عندما سحب الخبر من موقعه الإلكتروني، هو سلوكيات ومواقف «الإخوان» المسلمين في قضايا وطنهم، سواء في الفترة الحالية، أو سابقاً، فهي كانت تتلاعب مع إيران، وكانت في فترات تمثل اليد الإيرانية في الدول العربية، فهي جماعات سياسية قبل أن تكون دينية... هذا أمر لا بد أن يكون واضحاً لنا، وإنْ كان الأمر لا يحتاج إلى ذكاء. ربما ما فعله المتحدث باسم «الإخوان» أنه ساعدنا نحن في الخليج على كشف اللغز وفهم الكثير من المواقف المحتملة عند التعامل مع إيران. «الإخوان» تيار سياسي قبل أن يكون دينياً كما يعتقد البعض ومسألة تقديم مصلحة الأيديولوجية على حساب الأوطان وشعوبها هو من سخريات القدر وعجائب زمن «الإخوان»!