ليس مفهوماً تماماً لما تنسى الولايات المتحدة أو تتناسى، في بعض المنعطفات، مدى حاجتها إلى دول الخليج العربي، وكيف أنها بنت في عهد الحرب الباردة استراتيجية متكاملة استناداً إلى علاقتها وتقاربها مع هذه الدول. صحيح أن العلاقة لا تزال «جيدة»، وفقاً لشهادة طرفيها إعلامياً، إلا أن الغوص في التفاصيل لا يفضي دائماً إلى صورة ناصعة. وفي الأحوال الراهنة ثمة ما يدعو إلى الاستياء من الجانب الأميركي الذي يُفتَرض أنه «حصيف» بدليل التزاماته الأمنية والدفاعية، لكنه دائم الحيرة في توصيف نفسه، فتارة هو «حليف» فعلاً، وتارة أخرى يكتفي بكونه «صديقاً» وطوراً ينقلب إلى «خصم» غير معلن، ومن دون أن يتمكن الحلفاء أو الأصدقاء الخليجيون من إعلانه «خصماً» رغم أن نتائج بعض سياساته ترتد عليهم بما لا يحبون أو يرغبون. منذ 11 سبتمبر عام 2001، وطوال رئاسة بوش الابن، والولاية الأولى لأوباما، عانت دول الخليج من الهوس الأميركي بالإرهاب وإفرازاته، وحُمّلت المسؤولية اعتباطاً. ورغم تعاونها في مكافحة الإرهاب وتضررها منه، فإن واشنطن واظبت على تثمين تعاون أطراف أخرى مثل إيران وسوريا، وقيل إنها كانت تحاول استقطاب هاتين الدولتين، لكن كان واضحاً أنه مجرد جهد ضائع، ومع ذلك لم يأخذ الأميركيون في الاعتبار خطأ إضعافهم (غير المتعمد؟) لتيار الاعتدال في المنطقة. وبعد غزو العراق واحتلاله تجاهلت واشنطن التداعيات السلبية المتوقعة لهذا الحدث، إذ شجعت ما ذهب بعض عراقييها إلى حد اعتباره فكاً ضرورياً للارتباط مع العالم العربي. ورغم أن الأميركيين استمعوا إلى مختلف التحليلات والنصائح: من دول الخليج ومصر، ومن إسرائيل، ومن مصادر متصلة بإيران، فإن الخيارات التي تبنوها راعت في نهاية المطاف مصالح إيران وإسرائيل. ورغم أن الإرهاب هو الذي دفعهم عملياً إلى الانسحاب في أقرب فرصة، فإن هذا الخيار بدا كمكافأة وتزكية للأطراف التي رعت الإرهاب في العراق. لكن، قبل ذلك وبعده، لم تتوصل علاقة المصالح الكبيرة المشتركة، ولا روابط التحالف أو الصداقة، إلى إضفاء شيء من الواقعية على السياسة الأميركية المتَّبعة إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي، بل لم تجد واشنطن، أو لم تعترف بأن حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية يشكل مصلحة خليجية ينبغي أخذها في الاعتبار. وبالتالي فإن هذه العلاقة لم تقنعها بأي «زحزحة» لموقفها، ورغم تبني دول الخليج «عملية السلام» والالتزام العربي بها، إلا أن واشنطن وجدت دائماً أن أي مبادرة لها لا بد أن تُستبق بـ«مبادرات» خليجية من دون أن تضمن أي استجابة إسرائيلية. وتناسى الأميركيون أن دول الخليج هي التي ضمنت، مع مصر، عام 1991، إسقاط العرب خيار الحرب ضد إسرائيل لقاء ضمان إدارة جورج بوش الأب ثم إدارة كلينتون التزام إسرائيل التوصل إلى حل سلمي للصراع. بل يتناسى الأميركيون أن ما حصل بعد ذلك كان خدعة للجانب العربي ونقضاً للتعهدات التي قطعتها واشنطن. ولا يزال هذا الملف معطلاً ومجمداً، تحديداً بفعل تلك الخدعة. وقبل وبعده، أيضاً، كان هذا الأداء الأميركي الغامض والملتبس والمتقلِّب في إدارة الملف النووي الإيراني ومعالجته، ثم في التعاطي مع الأزمة السورية بمقاربة مائعة ومتخبّطة. وكما في المسألة الفلسطينية لم يطلب أحد من أميركا انقلاباً في سياستها المنحازة لإسرائيل، كذلك في الأزمة مع إيران لم يشجع الخليجيون على العمل العسكري أو الحرب، ولم يذهبوا إلى حد ابتزاز الإدارة الأميركية، كما فعلت إسرائيل وتفعل. والأكيد أن الخليجيين يفضلون النهج الدبلوماسي لحل الإشكال النووي، كونهم حريصين على استقرار المنطقة، ولا تنفك واشنطن تؤكد أنها تسعى أيضاً إلى هذا الاستقرار. لكنها دأبت في الآونة الأخيرة على إطلاق إشارات تجاه إيران أقل ما يقال فيها إنها مقلقة ومثيرة للجدل ثم أنها، وهي في سياق تراجعها المشهود عالمياً أمام روسيا والصين، تستعد للتفاوض الثنائي مع إيران التي تبدي من جهتها استعداداً لمقايضة فرملة برنامجها النووي لقاء الاعتراف لها بنفوذ إقليمي. وبالنظر إلى سابقة تسليم العراق إلى إيران، يمكن توقع الأسوأ من هذا التفاوض. تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة، المتمتعة بأفضل المصالح مع دول الخليج، لا ترى موجباً لترجمة هذه المصالح في السياسة. وكأن وظيفتها، على عكس المتوقع، الحد من النفوذ الخليجي عربياً. فهذا كان المنحى في إدارة سلطة الاحتلال في العراق، وهو نفسه يتجدد في إدارة مآلات التغيير الآتي في سوريا. لذا يُطرح السؤال هنا: هل لأن دول الخليج باتت الآن، بحكم الظروف والتطورات والقدرات، عماد العالم العربي ونظامه، تفضل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إحباط هذا الدور الذي لم تسع إليه دول الخليج أصلاً؟