العالم العربي يمر بحراك وتجديد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه إلى أين يتجه قطار التغيير؟ هل هو فعلاً إلى ديمقراطية تحقق التنمية الموعودة أم إلى الهاوية التي تقع بين الديكتاتورية والديمقراطية؟ الدول العربية التي تشهد ظاهرة ما يعرف بـ«الربيع العربي»، كانت تحكم بعقلية الحزب الواحد، والتي تتلخص فيها معاني الديكتاتورية في الفكر السياسي مهما كانت مظاهر الديمقراطية التي تتصنعها تلك الأنظمة من انتخابات مفبركة وحرية مزعومة، لأن النتيجة كانت واحدة وهي شعب بعيد كل البعد عن التنمية الحقيقية والسعادة الفعلية، لقد كانت تلك الدول تعيش مرحلة من الاحتضار الحضاري والعملي. فمن يصدق مثلاً أن مصر بلد الحضارة المتجددة تعيش في قوت يومها على طلبات القمح المستوردة، وهي الدولة التي يقطرها النيل قطراً؟! ومن يتخيل أن تلك الدولة التي تزخر بالعقول المفكرة التي أذهلت العالم تعتمد في اقتصادها على التبرعات الخارجية والقروض الدولية؟، نموذج فعلي لدولة كانت تعيش مرحلة الموت السريري، وتعتمد كما يقال في طب الطوارئ على الأجهزة المساعدة للحياة، مما أفقدها ومثيلاتها من الدول مكانتها الإقليمية والدولية، كما كتب «آرون ميلر» في مقال بمجلة «فورين بوليسين» أن الدول العربية الثلاث التي كانت تتسابق يوماً على القوة والنفوذ في العالم العربي، وعلى لفت انتباه الولايات المتحدة، وهي مصر والعراق وسوريا، أصبحت خارج المعادلة الإقليمية أساساً، بينما أصبحت كل من إسرائيل وإيران وتركيا، هي القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، بفضل أجهزتها الحكومية المستقرة ومواردها البشرية والاقتصادية، وقوتها العسكرية». لكن هل الديمقراطية التي تلت الديكتاتورية ستوصل تلك الدول إلى التنمية الفعلية؟ سؤال لابد من مناقشته بشيء من العقلانية، كي لا ينجرف المثقف العربي إلى وهم ويبني حلماً هو أقرب ما يكون إلى بيت العنكبوت، العراق هو من بدأ «الربيع العربي» في عصرنا الحاضر، حيث انتقل شكلياً من حزب «البعث»، الذي أرهق العراق في حروب مستمرة وفكر متطرف نحو السيطرة وجاء الغزو والتحرير بشعارات براقة وانتظر العراقي والعربي المشهد العراقي، كي تنقلنا فصوله من ديكتاتورية مرهقة إلى ديمقراطية مشرقة. لكن المشهد يتكرر اليوم في دجلة والفرات بحكم جاء وفق صناديق الاقتراع، لكنه أثبت إلى يومنا هذا فشلا في تحقيق مطالب الشعب الذي يريد الحرية والتنمية والعدالة، لأن فكر الحزب المسيطر وردة الفعل من قبل رموز الطائفية قد تقود العراق إلى حرب أهلية نرى نيرانها تستعر تحت الرماد، فما هي أبرز مؤشرات الخلل في ديمقراطية العرب بعد أن فشلت ديكتاتورياتهم؟ العربي له سمات نجاح في عقليته وتاريخه المشرق، لكنه صانع ناجح للفشل إنْ لم ينتبه إلى خطواته وأول مراحل الفشل السياسي في العقل العربي تتلخص في حزبية الجماعة وعقلية الولاء والطاعة. ففي الديمقراطية الحقيقية التي تشهدها أوروبا وأميركا مثلًا نجد تعاوناً واضحاً بين الأحزاب لتحقيق مصالح البلاد المشهد يتكرر في الكيان الإسرائيلي بين الأحزاب التي تتصارع في الانتخابات لكنها تتكاتف، لتحقيق المصالح الكبرى، ألم يجد الرئيس أوباما في أميركا كلها من يصلح لوزارة الخارجية إلا كيري الذي كان منافساً له؟، الصورة ليست كذلك عندما حكمت الجماعات الإسلامية بعض الدول العربية، فالولاء للتنظيم أهم من مصلحة الوطن والمواطنين. إن الانتقال من ديكتاتورية الفشل إلى ديمقراطية النجاح، لابد أن تمر مراحله بانعطافات خطرة، لكنها بحاجة إلى قرارات صعبة، كي تنجح تلك الدول في تحقيق نهضة فعلية لشعوبها، وإلا فإن التاريخ المعاصر أثبت لنا أن الدول المستقرة في حكمها العادلة في تعاملاتها الناجحة في اقتصاداتها هي من حقق معادلة التنمية أكثر من غيرها، والإمارات نموذج يحتذى.