في الوقت الذي تواجه فيه الدول الأوروبية توقعات بتباطؤ النمو الاقتصادي وانكماش الناتج المحلي الإجمالي نتيجة تداعيات الأزمة المالية وما لحقها من سياسات تقشفية لاستعادة بعض التوازن للموازنات المختلة، بدأت الأعين في تلك الدول تتجه صوب آسيا باعتبارها القوة الصاعدة على الساحة الدولية، أملاً في الحصول على صفقات تجارية وتوقيع عقود مجزية والاستفادة من الاستثمارات بما يخدم اقتصاداتها المتعثرة، ويخفف عنها وطأة الأزمة المستمرة. وفي هذا السياق تبرز الهند باعتبارها إحدى الدول الرائدة في القارة الآسيوية والتي وإنْ كان نموها الاقتصادي قد تبطأ قليلاً تأثراً بما يجري على الساحة الدولية، فإنها ما زالت تسجل معدلات مرتفعة في نمو ناتجها الإجمالي الذي وصل في السنة الجارية إلى 5 في المئة، لذا تعد الهند حالياً وجهة جاذبة للأوروبيين الباحثين عن فرص اقتصادية وأسواق ناشئة تستوعب صناعتهم المتضررة. وهكذا شهدت الهند في ظرف أسبوعين فقط زيارة قائدين أوروبيين مرفوقين بوفود تجارية ضخمة سعياً وراء تكريس حضورهم في الهند، حيث الدور المتنامي للطبقة الوسطى والفرص المتاحة لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأوروبية واستفادة شركاتها، يضاف إلى ذلك المحاولات الجارية حالياً من قبل الحكومة الهندية لتحديث القوات المسلحة واقتناء أسلحة متطورة ما يزيد من تهافت البلدان الأوروبية، التي تملك صناعة أسلحة متقدمة، على عقد الصفقات المربحة مع الهند وتعميق الصلات مع القوات المسلحة، ومن تلك الزيارات المهمة كانت الجولة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى الهند خلال الأسبوع الماضي. وقد كانت الزيارة الثانية له كرئيس للوزراء التي حرص خلالها هذه المرة على التأكيد أنه جاء مصحوباً بأكبر وفد تجاري يغادر السواحل البريطانية إلى الخارج، حيث ضم الوفد أكثر من مائة رجل أعمال جاءوا كلهم لمغازلة الهند في وقت يعاني فيهم بلدهم من تراجع النمو الاقتصادي. وقبل أيام فقط من الزيارة البريطانية كان الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، قد حل ضيفاً على الهند في مسعى مشابه لدعم وتعزيز حظوظ الشركات الفرنسية وأملا في توقيع صفقات تجارية لاكتساح السوق الهندية الواعدة. وأهمية الزيارة الفرنسية للهند أنها كانت أول مكان يختاره الرئيس الفرنسي لدى وصوله إلى آسيا، بحيث كانت نيودلهي محطته الأولى، وعلى غرار الوفد البريطاني الكبير لم يقل عدد رجال الأعمال الفرنسيين الذين رافقوا أولاند عن ستين رجل أعمال، بالإضافة إلى وزراء أساسيين في الحكومة الفرنسية. وقد كان واضحاً أن الهدف من الزيارة الفرنسية هو دعم الاقتصاد الفرنسي الذي تشير الإحصاءات أنه يترنح على شفا الركود بعد انكماش واضح في الشهور الأخيرة بنسبة وصلت إلى 0.3 في المئة خلال الربعين الأخيرين من السنة الماضية. وبدوره استقبل رئيس الوزراء الهندي، الرئيس الفرنسي بترحاب كبير، وكان حريصاً على الإشارة إلى العلاقة الخاصة التي تجمع البلدين وكون فرنسا كانت البلد الغربي الذي رفض فرض عقوبات على الهند عندما أجرت تجاربها النووية عام 1998؛ ومن مجالات التعاون المهمة التي يسعى البلدان لدخولها مع الهند، الصناعة الدفاعية، حيث تجري مفاوضات حالياً لاستكمال صفقة شراء الهند لحوالي 126 طائرة «رفال» فرنسية متعددة الأدوار بقيمة 12 مليار دولار، وكانت الهند قد فضلت الطائرات المقاتلة الفرنسية على نظيرتها البريطانية المعروفة باسم «تايفون». ومع أن بريطانيا خسرت صفقة الطائرات، فإنها عادت لطرحها مجدداً على طاولة المفاوضات علها تتمكن من استمالة الموقف الهندي لصالحها، وتأتي هذه المحاولات الأوروبية الدؤوبة لتسويق صناعتها في مجال السلاح في الوقت الذي تعكف فيه الهند على تطوير منظومتها الدفاعية وبناء جيش عصري بأسلحة متقدمة، ولا ننس أن الهند تعد أكبر مستورد للسلاح في العالم، حيث تنفق سنوياً مليارات الدولارات على صفقات السلاح وعلى مشترياتها من الطائرات المقاتلة والمروحيات المتطورة، وحاملات الطائرات. وخلال الزيارة وافق كاميرون على منح الهند آخر ما جادت به التكنولوجيا في المجالات المدنية والعسكرية مع استعداد الطرفين لبدء مباحثات لتوقيع اتفاق نووي سيدعم تصدير التكنولوجيا النووية للهند. وعلى غرار المساعي الفرنسية لضخ استثمارات في الاقتصاد الفرنسي المترنح، يسعى «كاميرون» لتعزيز دور الشركات البريطانية ودعمها للاستفادة من السوق الهندية الضخمة. وعلى قدر استفادة الأوروبيين من العلاقات مع الهند تريد هذه الأخير الانتفاع من العلاقة ذاتها، وهو ما حدا برئيس الوزراء، سينج، إلى حث «كاميرون» على إنشاء بلدات ومناطق صناعية جديدة في الشريط الموصل إلى مومباي، الذي سيشهد في الفترة المقبلة تطوير تسع مناطق صناعية. وقد عبر «سنج» عن أمله في أن تأتي الشركات البريطانية للاستثمار في تلك المناطق، وتقترب من السوق الهندية الواعدة. وفيما عدا القضايا التجارية التي حملها معه «كاميرون» إلى الهند يطمح الطرفان إلى تعزيز أوجه أخرى من العلاقات الثنائية التقليدية بين البلدين تمتد إلى التعاون في مجالات الأمن الإلكتروني والطاقة النووية الموجهة لأغراض مدنية. وفي وقت يحظى فيه موضوع الهجمات الإلكترونية على مرافق أميركية باهتمام بالغ في ظل التهم الموجهة للصين تسعى الهند إلى التعاون مع بريطانيا لتعزيز الأمن الإلكتروني والتصدي لمحاولات الاختراق وسرقة المعلومات الحساسة. وفيما يتعلق بالعلاقات الهندية- الفرنسية، استغل «سنج» زيارة «أولاند» للتوقيع على أربع اتفاقيات تهم قطاع السكك الحديدية وتطوير القطارات السريعة، بالإضافة إلى التأسيس لأرضية التعاون المتين في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، والاستفادة من الخبرة الفرنسية والأوروبية في مجال الدراسات الفضائية. كما ناقش الطرفان أيضاً العقد الذي وقعته الهند مع شركة «أريفا» الفرنسية لبناء محطة نووية جديدة في ولاية «ماهارشترا» على الساحل الغربي والتي من المتوقع أن تولد 9900 ميجاوات بقيمة تصل إلى 9.3 مليار دولار.