الصين تهيمن على آسيا منذ بعض الوقت وتسعى لتصبح القوة الأولى في العالم. والولايات المتحدة لم تتحول بعد إلى "قوة من الدرجة الثانية"، ولكن عجز زعمائها السياسيين عن اتخاذ قرارات غير شعبية لا يبشر بالخير. وروسيا واليابان وأوروبا الغربية والهند أضحت بيروقراطيات منهكة بشكل عام. وإذا حصلت إيران على القنبلة، فإن حرباً نووية في الشرق الأوسط ستكون حتمية تقريباً. هذا بعض من التنبؤات الصريحة التي وردت في كتاب جديد صدر هذا الشهر يتضمن تجارب ورؤى "لي كوان يو"، مؤسس سنغافورة الحديثة، ورئيس وزرائها من 1959 إلى 1990، والزعيم السياسي الحكيم في آسيا لمعظم القرن الماضي. ولأن سنغافورة الصغيرة كانت دائماً ساحة محدودة بالنسبة لزعيم من حجم وتبصر "لي"، فإن اهتماماته امتدت وتوسعت عبر العالم، تماماً على غرار تأثيره. ونتيجة لذلك، أخذ زعماء عالميون ومديرو شركات وخبراء وصحفيون يشدون الرحال إلى سنغافورة، على مدى عقود، سعياً وراء آرائه حول مختلف القضايا. كتاب "لي كوان يو: رؤى المعلم الكبير حول الصين والولايات المتحدة والعالم" هو عبارة عن مجموعة من خطابات وحوارات وكتابات "لي" جمعها في هذا الكتاب المؤلفان جراهام أليسون، أستاذ الحوكمة بكلية كينيدي في جامعة هارفرد؛ وروبرت بلاكويل، الدبلوماسي الأميركي السابق وزميل برنامج هنري كيسنجر للسياسة الخارجية الأميركية بمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك. ويركز الكتاب على تكهنات "لي" وتنبؤاته، وليس على إنجازاته. وفيه يحجم أليسون وبلاكويل عن التعليق على الرجل وأفكاره، ويتركان للقارئ حرية التأويل. وإلى جانب سنغافورة، شكلت الصين دائماً موضوع اهتمام عند "لي". والصين، كما يقول الزعيم السنغافوري السابق، مصممة على أن تصبح "أعظم قوة في العالم"، وتتوقع أن يتم قبولها بشروطها الخاصة "وليس كعضو فخري في الغرب". غير أنه على رغم تقدم الصين خلال الثلاثين عاماً الماضية، يقول "لي"، فإنه يتعين عليها التغلب على عدد من "العراقيل"، وفي مقدمتها غياب حكم القانون وتفشي الفساد. ويرى في هذا السياق أن أكبر مخاوف زعماء الصين هو هاجس نشوب انتفاضة شعبية احتجاجاً على الفساد. كما يرى أن اللغة الصينية نفسها -التي "تعتبر صعبة كثيراً بالنسبة للأجانب ليتعلموها بما يكفي حتى يحتضنوا الصين ويحتضنهم مجتمعها"- تمثل عقبة أخرى أمام تطلعات الصين إلى مكانة القوة العظمى. وكذلك الحال بالنسبة لثقافة "لا تسمح بالتنافس والتبادل الحر للأفكار". أما بخصوص الولايات المتحدة، فعلى رغم حالة الجمود السياسي وتراكم الديون المفرط، إلا أن "لي" ما زال متفائلاً بشأن مستقبل الولايات المتحدة ودورها في العالم؛ إذ يعتقد أن "الروح الإبداعية، والمرنة، والمبتكرة ستسمح لها بمواجهة مشاكلها الجوهرية، والتغلب عليها، واستعادة قوتها التنافسية". ذلك أن الأميركيين يؤمنون بأنهم يستطيعون "تحقيق الأشياء"، ولهذا فهم عادة ما يفعلون ذلك. ولكن في المقابل، لا يخفي "لي" قلقه بشأن انهيار المجتمع المدني في الولايات المتحدة وازدياد ثقافة الاعتماد على برامج الإعانة الاجتماعية التي توفرها الدولة. وفي هذا الصدد، يقول "لي" إن علماء الاجتماع أقنعوا الأميركيين بأن الفشل ليس خطأهم، وإنما خطأ النظام الاقتصادي، مشيراً إلى أنه عندما أصبحت الإعانة "حقاً مستحقاً"، زالت وصمة العيش على الإعانات واختفت. ونتيجة لذلك، أخذت تكاليف برامج الإعانة الاجتماعية تفوق موارد الحكومة، ما أدى إلى تراكم ديون ضخمة بالنسبة للأجيال المقبلة. وفي هذه الأثناء، يقوم الزعماء السياسيون الأميركيون بإرجاء اتخاذ القرارات الصعبة وترحيلها من أجل الفوز في الانتخابات. ومثلما هو الحال عادة، فإن "لي" يقول جهراً ما يفكر فيه كثيرون سراً. أما بخصوص الإرهاب وسبل الوقاية منه، فيقول "لي" إن الغرب يستطيع منح المسلمين المعتدلين الثقة لمواجهة المتطرفين. ولكنه يحذر من أنه إذا استمر المعتدلون في التعرض للترهيب، فإنهم سيجدون أنفسهم قريباً في دول دينية قمعية. كما يحذر من أنه إذا تمكنت إيران من تطوير قنبلة نووية، فإن دولاً إسلامية أخرى مثل السعودية ومصر ستسعى للقيام بذلك أيضاً، الأمر الذي سيطلق شبح حرب نووية إقليمية. وبالنسبة لـ"لي"، فإن أبطاله السياسيين هم الزعيم الفرنسي شارل ديجول، والزعيم البريطاني وينستون تشرشل، والزعيم الصيني دنج زياوبينج الذي أطلق الإصلاحات الاقتصادية في الثمانينيات. أما سبب إعجاب "لي" بهؤلاء الزعماء، فهو أن كل واحد منهم كان في موقف ضعيف في لحظة حرجة من التاريخ، ولكنهم من خلال الشجاعة وكثير من العزم والتصميم تمكنوا من الفوز والانتصار في الأخير. وفي هذا السياق، يؤمن "لي" بأن الزعماء يولدون ولا يصنعون، وبأنه ينبغي أن يحكم عليهم من خلال أفعالهم، لا أقوالهم، إذ: "إن الاختبار الحقيقي هو الأداء، وليس الوعود!". محمد وقيف الكتاب: لي كوان يو: رؤى المعلم الكبير المؤلفان: جراهام أليسون وروبرت بلاكويل الناشر: إم آي تي برس تاريخ النشر: 2013