ليس واضحاً بعد ما إذا كانت قيادة جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر تدرك حجم خسائرها المترتبة على طريقة ممارستها لسلطة طال شوقها إليها. فقد تبدلت صورتها لدى قطاعات متزايدة في المجتمع، وتحولت من جماعة مضطهدة (بفتح الهاء) إلى سلطة مضطهدة (بكسر الهاء). وندم غير قليل ممن أيدوها وانتخبوا مرشحها د. محمد مرسي رئيساً. تحدث بعضهم عن ندمه علناً لأن في إمكانهم الوصول إلى وسائل الإعلام، واحتفظ أكثرهم بخيبة أملهم لأنفسهم، وفقد عدد من شبابهم حياته في المواجهات التي حدثت مع الشرطة في الشهرين الأخيرين. غير أن خسائر جماعة «الإخوان» في مصر قد لا تكون داخلية فحسب. فثمة ما يدل على أن تدهور الأوضاع بسبب سوء إدارتها للسلطة يثير قلقاً في أوساط بعض تنظيمات «الإخوان» في العالم العربي. وظهر ذلك في تصريحات أدلى بها قياديون في عدد من هذه التنظيمات وحملت معنى تأكيد استقلالها عن جماعة «الإخوان» في مصر. وهذا أمر جديد في تاريخ العلاقات بين تنظيمات تيار «الإخوان» المنتشرة في أرجاء العالم والمركز الرئيسي لهذا التيار في مصر حيث نشأت الجماعة التي تعتبر بمثابة «الأم» بالنسبة إلى تلك التنظيمات. فلم يحدث في أي وقت مضى أن أبدى قياديون في أي من تنظيمات «الإخوان» مثل هذا الاهتمام بإعلان استقلالهم عن الجماعة التي يعرف الدارسون والمراقبون المعنيون مدى ارتباطهم بها باعتبارها المركز الرئيسي لهذه التنظيمات. وكان آخرهم رئيس حزب العدالة والتنمية المغربي عبدالإله بن كيران، الذي يرأس الحكومة الحالية. فقد نفى خلال لقاء جمعه بصحفيين عرب في 12 فبراير الجاري ارتباط حزبه بمظلة «الإخوان المسلمين»، وقال إن لهذا الحزب فكره الخاص. وربما يكون هذا الحزب أقل التنظيمات الأربعة، التي أكد قياديون فيها استقلالهم عن هذه المظلة، ارتباطاً بجماعة «الإخوان» في مصر الآن على رغم أن أصوله تعود إليها، فضلاً عن أن انتماءه إلى مرجعيتها لا يزال مستمراً. فعلاقة «إخوان» ليبيا بهذه الجماعة أقوى وارتباطهم بها أشد. ولكن هذا لم يحل دون إعلان المراقب العام لجماعة «الإخوان» في ليبيا بشير الكبتي مؤخراً أنها مستقلة، ولا تحتاج أن يأتي أحد من مصر لمساعدتها، ونفى أن تكون زيارة نائب المرشد العام خيرت الشاطر إليها في الشهر الماضي لهذا الغرض. وتزامن ذلك مع تأكيد أكثر من قيادي في جماعة «الإخوان» الأردنية أنها تعمل باستقلال تام ولا وصاية عليها من غيرها، وأن علاقتها مع جماعة «الإخوان» في مصر تقوم على التكافؤ والتشاور. والمثير للانتباه أن يصدر هذا الخطاب عن اثنتين من أكثر منظمات «الإخوان» في العالم العربي ارتباطاً بما تعتبر «الجماعة الأم» بالنسبة إلى مختلف التنظيمات التي تعبر عن هذا التيار في المنطقة وخارجها. ويعرف دارسو تاريخ «الإخوان» أن جماعتهم في الأردن كانت الأولى خارج مصر حيث وضع أساسها عام 1935 عبدالحكيم عابدين صهر حسن البنا وسعيد رمضان زوج ابنته. ووُضعت منذ ذلك الوقت القاعدة التي حكمت العلاقة بين جماعة «الإخوان» في مصر والتنظيمات المرتبطة بها في أي بلد آخر، وهي أن المرشد العام في القاهرة يعتبر القائد الأعلى لهذه الجماعات كلها. ولهذا السبب أُطلق على رأس كل منها لقب مراقب الجماعة ليظل هناك مرشد عام واحد لجميع «الإخوان» في كل مكان. وهذا هو ما حدث أيضاً عند تأسيس جماعة «الإخوان» في ليبيا كذلك في أواخر أربعينيات القرن الماضي على أيدي عدد من المصريين الذين ذهبوا للعمل هناك في ذلك الوقت. فكان معلمون مصريون ينتمون إلى «الإخوان» هم الذين غرسوا البذرة الأولى لتيار لم يلبث أن تبلور تنظيمياً على نسق الجماعة في مصر. وبخلاف جماعة «الإخوان» الأردنية التي أُشهرت باعتبارها جمعية في إطار قانون الجمعيات الخيرية، وظلت علنية طول تاريخها، فقد عملت نظيرتها الليبية تحت الأرض منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما انقلب العقيد القذافي عليها عقب شهر عسل قصير أشرك خلاله عدداً من أعضائها في حكومات «ثورة الفاتح من سبتمبر 1969». وعندما ينكر قادة في جماعتين «إخوانيتين» مختلفتين، وحزب انبثق عن جماعة ثالثة، حقيقة العلاقة مع «الجماعة الأم» بالنسبة إليهما، فهذا يعني أنهم يدركون أن هذه الجماعة تخسر في كل يوم جزءاً من رصيدها الذي حققته على مدى 85 عاماً، ويريدون تجنب انعكاس هذه الخسارة عليهم في فترة دقيقة للغاية. فحزب العدالة والتنمية يخوض اختباراً صعباً على رأس ائتلاف حكومي في المغرب، ولكن فرصته في النجاح لا بأس بها. و«إخوان» ليبيا يقومون بدور رئيسي في السلطة الجديدة من وراء ستار. أما «إخوان» الأردن فهم يخوضون معركة كبيرة غير مسبوقة. وهناك شعور متزايد لديهم، وربما عند آخرين من «الإخوان» العرب بأن سوء أداء «الجماعة الأم» يمكن أن يؤدي إلى هبوط سريع لموجة الإسلام السياسي التي صعدت بسرعة خلال العامين الماضيين. ولذلك يبدو في خطابهم قلق من نتائج الطريقة التي تدير بها هذه الجماعة السلطة التي تنفرد بها في مصر الآن، وما يمكن أن يترتب عليها من تراجع بدأت مقدماته بأسرع مما كان متوقعاً. وبدا هذا القلق أكثر وضوحاً في موقف نائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي، وهو أحد قادة «الإخوان» الذين يعملون تحت اسم الحزب الإسلامي في ذلك البلد. فقد دعا الرئيس محمد مرسي إلى «الإسراع بتنفيذ وعوده بشأن التوافق مع المعارضة حول المواد الخلافية في الدستور». وكان الهاشمي صريحاً في نصيحته النقدية لمرسي حين نصحه بعدم تكرار ما حدث في العراق وقوله إن «تأخير تعديل مواد خلافية في الدستور العراقي أدى إلى الكثير من المشاكل الراهنة». وليس صعباً فهم لماذا يبدو الهاشمي أكثر صراحة من قياديين «إخوان» في ليبيا والأردن. فهو يعرف أكثر منهم بحكم تجربة العراق المرة حجم التداعيات السلبية لفرض دستور غير توافقي على شعب في حالة حراك سياسي. وكان «إخوان» العراق في موقع معاكس لجماعة «الإخوان» في مصر بشأن مسألة الدستور. ولذلك فهو لم يكتف بالتنصل مما تفعله «الجماعة الأم»، بل قدم النصح الممزوج بنقد صريح لسياستها وحث الرئيس الذي ينتمي إليها على إصلاح ما أفسدته هذه السياسة. وهكذا اختلف قياديون في ثلاث من جماعات «الإخوان» العربية في طريقة تعبيرهم عن قلقهم من سوء إدارة «الجماعة الأم» للأوضاع في مصر. ولكنهم أرادوا كلهم تجنب انعكاس أخطائها المتزايدة على جماعاتهم، الأمر الذي يثير سؤالًا مهماً عن مستقبل العلاقة بين «الجماعة الأم» وغيرها من جماعات «الإخوان» في العالم العربي.