تعيش واشنطن حالياً على وقع الجدل الناشب بين البيت الأبيض و«الجمهوريين» في الكونجرس وخارجه حول ما يسمى «العزل» الذي يعني انطلاق ما قيمته 85 مليار دولار من خفض النفقات التلقائية التي ستهم جميع مناحي الحياة بدءاً من موازنة الدفاع وليس انتهاء بالتعليم والصحة، وكل أوجه الإنفاق الفيدرالي بحلول يوم الجمعة المقبل، وذلك بموجب قانون تم الاتفاق عليه سابقاً في إطار محاولة أوباما رفع سقف الدين الأميركي. لكن مع اقتراب موعد «العزل» ودخول البلاد كنتيجة لذلك في دوامة جديدة من الركود الاقتصادي بسبب وقف الإنفاق تتبادل الأطراف السياسية في واشنطن الاتهامات حول المسؤول عن الوضع الحالي والجهة التي كانت وراء سياسة الخفض التلقائي للنفقات، هل هو أوباما ومساعدوه، أم هو «الجمهوريون" في مجلس الشيوخ؟ ولأن تحمل المسؤولية غالباً ما ينطوي على ثمن سياسي يلجأ الطرفان معاً إلى المراوغة الخطابية والتصريحات المواربة علهم يفلتون من تحمل المسؤولية ويلقونها على الآخر، والحقيقة أن عملية تبادل الاتهامات بدأت خلال المناظرة الثالثة للرئيس أوباما خلال حملته الانتخابية في الخريف الماضي عندما اتهم أوباما في 22 أكتوبر المنصرم الكونجرس بالدفع في اتجاه إقرار سياسية «العزل»، حيث قال «إن الكونجرس هو من اقترح علينا تلك السياسة»، ثم سرعان ما جاءه السند من كبير موظفي البيت الأبيض وقتها، جاك ليو، الذي تحمل أيضاً مسؤولية إدارة الموازنة في المفاوضات التي دارت في عام 2011 وانتهت بإقرار «العزل»، إذ جاء في كلامه خلال الحملة الانتخابية في ولاية فلوريدا «كان هناك إصرار من قبل الجمهوريين في الكونجرس لإقرار العزل». لكن ما كشفت عنه في كتابي الأخير «ثمن ممارسة السياسة» يُظهر صورة أخرى، حيث يؤكد الكتاب الذي اعتمدت فيه على لقاءات موسعة مع عدد من كبار المسؤولين سواء في البيت الأبيض، أو الكونجرس أن فكرة «العزل» كانت من بنات أفكار البيت الأبيض، وتحديداً «ليو» نفسه والمسؤول عن العلاقات بين البيت الأبيض والكونجرس في الإدارة، «روب نابورز»، وقد صادق أوباما شخصياً على خطة «ليو ونابورز» التي اقترحت إقرار «العزل» على زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، «الديمقراطي»، هاري ريد، بحيث أوضح «نابورز» بأن «العزل» كان الطريق الوحيد لإقناع الكونجرس برفع سقف الديون، قائلا «لم نعتقد أنه كان صعباً إقناع «الجمهوريين» بالموافقة على العزل، لقد كان الخيار الوحيد أمامنا»، وهو الأمر الذي تحقق بالفعل بعدما صوتت غالبية «الجمهوريين» في الكونجرس على الخطة التي عرفت بقانون مراقبة الموازنة التي من ضمنها «العزل»، لكن موظفين كباراً في الحزب «الجمهوري» أقروا بأنهم لم يكونوا يعرفون معنى «العزل» لأن العبارة جاءت من حروب الموازنة التي شهدتها أميركا في الثمانينيات عندما لم يكن هؤلاء الموظفون موجودين، والمشكلة هناك هي إنكار ومراوغة «ليو» خلال جلسة الاستماع التي عقدها الكونجرس لتثبيته في منصبه الجديد كوزير للخزانة، حيث رفض الإقرار بأن العزل فكرة البيت الأبيض بالدرجة الأولى، مفضلا الدفاع عن أوباما ونفي المسؤولية عنه، لكن ما أهمية كل هذه المعلومات؟ أولا لأن شهوراً من إخفاء البيت الأبيض للحقيقة زادت من تآكل منسوب الثقة بين أوباما و«الجمهوريين» في الكونجرس. وثانياً لأن ما قاله «ليو» أثناء جلسة الاستماع من أن «العزل» كان الخيار الوحيد لرفض «الجمهوريين» الموافقة على تعويض الحد من النفقات بمداخيل إضافية تأتي عبر الضرائب يولد انطباعاً خاطئاً، ويؤكد فكرته بأنه لم يكن أمام البيت الأبيض من حل آخر، والحال أن الاتفاق النهائي الذي توصل إليه نائب الرئيس، وزعيم الأقلية «الجمهورية» في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل في عام 2011 تضمن تفاهماً على رفع الضرائب في خطة «العزل» مقابل ما كان الرئيس يصر عليه وهو رفع سقف الدين الأميركي لثمانية عشر شهراً متتابعة حتى لا يضطر أوباما لخوض مفاوضات أخرى في عام 2012 عندما يكون منشغلا بإعادة انتخابه، لذا عندما يقول أوباما إن البديل عن «العزل» هو البحث عن مصادر أخرى للدخل من خلال الإصلاح الضريبي فإن هذا لم يكن هدفه الحقيقي، بل كان الغرض من وراء إقرار «العزل» هو عدم إزعاجه في سنته الانتخابية. ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ بوب وودورد كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»